الصفحة 70 من 106

لقد أنكر النبي الكريم، في هذا الحديث، فعل الرجل عندما أثنى على صاحبه، لأن هذا المدح سوف يدخل الكبر والعجب عند الممدوح [1] . فكرر - صلى الله عليه وسلم - جملة (قطعت عنق صاحبك) مرتين. والمعنى: أوقعتموه في الإعجاب بنفسه الموجب لهلاك دينه [2] .

ومما خرج إليه التوكيد اللفظي بالجملة الفعلية في الحديث الشريف الدعاء، ومن ذلك:

عن عبد الله قال:"بينما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يصلي عند الكعبة وجمع قريش في مجالسهم إذ قال قائل منهم ألا تنظرون إلى هذا المرائي. أيكم يقوم إلى جزور آل فلان فيعمد إلى فرثها ودمها وسلاها فيجئ به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفي فانبعث أشقاهم فلما سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضعه بين كتفيه وثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - ساجدًا فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك فأنطلق منطلق إلى فاطمة (عليها السلام) وهي جويرية فأقبلت تسعى وثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - ساجدًا حتى ألقته عنه وأقبلت عليهم تسبهم فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصلاة قال:"

"اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش اللهم عليك بقريش" [3] .

وعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) :"أن رجلًا دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب فاستقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائمًا فقال يا رسول الله هلكت المواشي وانقطعت السبل فأدع الله يغيثنا قال فرفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يديه فقال اللهم اسقنا اللهم اسقنا اللهم اسقنا" [4] .

لقد دعا النبي الكريم، في الحديث الأول، على قريش، وذلك عندما وضعوا فرث الجزور بين كتفيه وهو يصلي عند الكعبة، ولقد خصهم بهذا الدعاء. وذلك لغرض الفراغ من الدعاء بالسرعة الممكنة لتتحقق الاستجابة فيحل عليهم غضب الله وعقابه، والتعبير بهذه الصيغة، يدل على شدة التضرع والتوسل إلى الله ـ سبحانه ـ بأن يوقع ما يراه مناسبًا في حق هؤلاء الكفار، فلو قيل مثلً (اللهم زلزلهم أو أهزمهم أو قاتلهم أو ألعنهم) لتحدد نوع الفعل، ولكنه - صلى الله عليه وسلم - أحال جميع هذه الأفعال إلى الله ـ عز وجل ـ فهو الذي يحدد نوع العقاب والطريقة التي يراها مناسبة لهم [5] .

(1) فتح الباري: 13/ 88.

(2) التركيب اللغوي الاصطلاحي النبوي في صحيح البخاري (دراسة دلالية) ، عبد الله حسن أحمد، رسالة دكتوراه، بإشراف د. محيي الدين توفيق إبراهيم، جامعة الموصل، كلية الآداب، 1996: 68.

(3) صحيح البخاري: 1/ 100 ـ 101.

(4) المصدر نفسه: 1/ 179.

(5) أساليب الطلب في الحديث الشريف: 33.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت