الصفحة 69 من 106

نجد أبا سفيان في هذا النص، يفتخر باسم صنم في مكة [1] . فكرر جملة (أعل هبل) مرتين والمعنى: زد ارتفاعًا وعلوًا يا هبل [2] . أما حذف حرف النداء (يا) إذ الأصل (أعل يا هبل) ففيه دلالة على قرب المنادى والالتصاق به والتحبب إليه [3] . فالغاية من هذا التكرار يرجع إلى بعد نفسي، إذ أراد أبو سفيان أن يغيض خصمه النبي الكريم فصب اهتمامه على هذه الجملة مكررًا إياها، وليجد في نفسه متنفسًا لإخفاقه السابق في معركة بدر. وليعيد لنفسه توازنها واستقرارها [4] . إن الكلمة حين تتحول في السياق من الصوت إلى المعنى الداخلي من خلال شبكة العلاقات السياقية، لا تبقى بؤرة تكرارية تؤدي دورًا إيقاعيًا حسب، وإنما تصبح إلى جانب ذلك ذات دلالة على المعنى والفعل، ولعل مثل هذا التلاحم بين الإيقاع والمعنى يؤدي إلى الكشف الحقيقي عن الهدف الذي يسعى إليه المتكلم [5] .

وجاء التوكيد اللفظي في الصحيح، لطول الفصل، فإذا أطال الكلام وخشي تناسي الأول أعيد ثانيًا تطرية له وتجديدًا لعهده [6] . ومن ذلك:

قال البخاري في تفسير قوله تعالى: (إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحدَ عشرَ كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) [7] [8] .

كرر (رأيت) لطول الفصل بين الأول ومتعلقه وهو لـ (رأيتهم) خشية أن يكون الذهن قد غفل عما ذكر أولًا [9] . وليؤكد الرؤيا التي رآها.

وخرج التوكيد اللفظي بالجملة الفعلية إلى اللوم والتأنيب، ومن ذلك:

قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لرجل أثنى على رجل آخر:"ويلك قطعت عنق صاحبك قطعت عنق صاحبك ..." [10] .

(1) عمدة القاري: 17/ 143.

(2) فتح الباري: 8/ 355.

(3) خطبة الوداع دراسة بلاغية تحليلية: 414.

(4) الأسس النفسية لأساليب البلاغة العربية: 247.

(5) التكوين التكراري في شعر جميل بن معمر: 79.

(6) الإتقان في علوم القرآن: 2/ 77.

(7) سورة يوسف؛ الآية: 4.

(8) صحيح البخاري: 4/ 209.

(9) علم المعاني، د. درويش الجندي: 178؛ ينظر: علم المعاني، د. عبد العزيز عتيق: 209؛ ينظر، الأسلوب الصحيح في البلاغة والعروض، جماعة من الأساتذة: 24.

(10) صحيح البخاري: 2/ 106.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت