الجرجاني ان قولك ما قلت شعرًا قط، وما أكلت شيئًا قط، هو صحيح لأنه يتكلم في العموم أما قولهُ ما أنا قلت شعرًا قط وما أنا أكلت اليوم شيئًا ولا أنا رأيت اليوم أحدًا من الناس فهذا كلام خاطئ، وبسبب تخطيئهِ لهذا الكلام هو (( لأنه يقتضي المحال وهو ان يكون ههنا إنسان قد أكل كل شيء يؤكل ورأى كل أحد من الناس، فنفيت ان تكونهُ ) ) [1] ، ويرى بعضهم رأيًا في هذا الكلام، نميل إليه، والرأي الجديد يقول: (( ففي المثال الأول لا يستلزم ان يكون هناك إنسان قال كل الشعر ولكن من الممكن ان يقول شعرًا ما دون كل الشعر ) ) [2] ، وكذا الحال مع المثالين الآخرين، فبما اننا ننفي عن أنفسنا قول شعر، فهذا لا يعني انه لابد من وجود إنسان قال كل الشعر، لاننا لم ننفِ عن أنفسنا قول كل الشعر، فإذا قلنا (ما أنا قلت الشعر) و (ما أنا أكلتُ الأكل) ففي هذه الحالة يجوز أن يكون هناك من قال كل الشعر وأكل كل الأكل.
ومن لطيف ما ذكر الجرجاني في تناقض الكلام بعضهُ ببعض قولهُ (( انهُ يصح لك ان تقول: ما قلت هذا ولا قالهُ أحد من الناس وما ضربت زيدًا ولا ضربهُ أحد سواي ولا يصح في الوجه الآخر: فلو قلت ما أنا قلت هذا ولا قالهُ أحد من الناس وما أنا ضربت زيدًا ولا ضربهُ أحد سواي ) ) [3] . فأنت في المثال الأول ترى انه كلام صحيح لا تناقض فيه، أما المثال الثاني فهو الذي حصل فيه التناقض فأنت نفيت عن نفسك قول أي شيء ثم تعود فتنفي ان أحدًا من الناس قالهُ فلا منطق في هذا الكلام؛ لأنه لابد من ان تكون أنت القائل أو أحد غيرك فأن النفي المطلق عنك وعن غيرك كأن الكلام لم يقل فلا مبرر لذكره أصلًا.
(1) دلائل الإعجاز: 93.
(2) التقديم والتأخير في القرآن الكريم: 88.
(3) دلائل الاعجاز: 94.