فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 564

ثم يأتي بعد جدِّه ـ رحمه الله تعالى ـ في التأثير في نفسه:والده العلامة الشيخ أحمد الزرقا، وبخاصّة من الناحية الفقهية.

وكان والده ـ رحمه الله تعالى ـ فقيهًا، لا يكاد يوجد كتاب من كتب الفقه وأمهاتِه الأولى إلا ودرسه دراسة، بل وحرَثه حِراثة، ولا يعلم بعد جده ـ رحمه الله تعالى ـ مثل والده في سعة الاطلاع، وجودة الفَهم، ودقّة النظر في تخريج وتنزيل المسائل والحوادث عن القواعد.

ولم تقتصِر عَلاقته بوالده على الدروس النظاميّة في المدرسة الخسروية، بل لازمه في دروسه خارج المدرسة في جامع آل الأميري (جامع الخير) ، وفي الجامع الأموي الكبير بمدينة حلب.

وممّا قرأه على والده حاشية ابن عابدين في المدرسة الشَّعبانية (9) ، خارج الدروس النظامية، وكان يحضر درس والده مَن هم في سن أبيه، وكان هو أصغر الموجودين.

كما لازم والده في البيت، فقد كان يقضي معه اللياليَ الطِّوال، وربما امتد السهر إلى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، في نقاش فقهي، يبلغ بهم أحيانًا إلى التشادِّ، كل مع دليله وطريقة فهمه، وقد ينحاز الوالد إلى رأي ابنه بعد طول جدال، وقد ينحاز الابن إلى رأي أبيه أخيرًا، فارتفعت الحُجُب بينه وبين أبيه في نطاق المناقشات العلمية، مع الحفاظ التام على كرامة الأبوة ووقارها.

كان والده معه مثل المدَرِّب الرياضي، يمرِّنُه تمرين خبير أُوتيَ صبرًا وطول أناة، فكان يشجِّعه على النقاش والجرأة في إبداء الرأي، ويدرِّبه على استخلاص الأحكمِ من خلال الأدلة والحجج.

وقد كان والده ذا ولع شديد بالأدب والشِّعر، ولم يُعرف عنه أنه مارس نظمه. ولم تكن مذاكراته كلها في حقول الفقه، بل كانت متنوعة الأشكال، متعدِّدة الألوان، فربَّما أمضَى مع والده الساعات والأيام والليالي في مطالعة الروائع من كتب الأدب كالأغاني والعقد الفريد، وما إليهما كسقط الزند، واللزوميات لأبي العلاء المعري.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت