الصفحة 18 من 43

الذين أجازوا التَّرجيح بزيادة العدالة هم بعض المالكيّة والأباضيّة، إذ يتفقون على إطار استعمال هذا المدرك، ويتوسعون فيه بإجازة التَّرجيح بالعدالة في كُلّ أحوال التَّعارض.

واتّفاق بعض المالكيّة والأباضيّة يستخلص من النُّصوص، منها: ما في"تبصرة الحُكَّام":"وإذا تداعى رجلان شيئًا، فإنْ كانت الدَّعوى متساوية مثل أنْ يدعي كُلّ واحد جميعه، فإنْ لم يكن في أيديهما ولكن في يد مَنْ لا يدعيه لنفسه لم يحكم به لأحدهما إلاَّ ببيِّنة، فإنْ أقام أحدهما بيِّنة به حُكِمَ له به، فإنْ أقام الآخر بيِّنة نظر إلى أعدل البيِّنتين فحكم بها، فإنْ تساويا في العدالة عرضت اليمين عليهما، فإنْ نكل أحدهما حكم به للحالف، فإنْ حلفا قسم بينهما، وإنْ نكلا تركا على ما كانا عليه. وإنْ كان ذلك الشَّيء في أيديهما فالحكم فيه، مثل ما لو لم يكن في أيديهما سواء، حيث قلنا يقسم فإنْ كان في يد غيرهما فإنّه يقسم على قدر الدَّعاوى، فإنْ كان بأيديهما فقيل: يقسم على قدر الدَّعاوى، وقيل: يقسم بينهما نصفين لتساويهما في الحيازة، إلاَّ أنْ يسلم أحدهما لصاحبه بعد حيازته" [1] .

والتَّسوية المنصوص عليها هنا هي تسوية حكم وضع يد المتداعيين وعدمه على المدعى به، فإنْ كانت بيِّنة أحدهما أعدل حكم بها، وإنْ تساوتا قسم فحكم وضع يدهما وعدمه سواء. ليس كذلك فحسب؛ بل المذهب يعتدّ بالعدالة كمرجّح، وإنْ كانت العين المتنازع فيها في يد أحدهما. وإذا أقام كُلّ واحد من المتداعيين بيِّنة على ما ادّعاه ولم يكن بين البيِّنتين من المرجّحات سوى كثرة إحداهما على الأخرى بأنْ كانت الأولى عشرة شهود وكانت الثّانية شاهدين فقط، أو ترجَّحت إحداهما بزيادة العدالة بأنْ كانت أظهر زهدًا وأوفر تحرُّجًا من الأخرى. فهل تترجَّح إحداهما على الأخرى؟

ذهب بعض الفقهاء من المالكيّة إلى ترجيحها بزيادة العدد وقوّة العدالة، وذهب الحنفيّة والحنابلة، وهو المذهب عند الشَّافعيّة، وقول جمهور المالكيّة: إلى أنَّه لا يغلّب الحكم بالبيِّنة الزَّائدة في العدد والعدالة، وإنَّما هما سواء؛ لأنَّ اللّه تعالى نصّ على عدد الشَّهادة بقوله:

(1) انظر: تبصرة الحُكَّام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام، 3/ 14.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت