فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 347

بل من علم أنه الباقى لا يزال علم أن فيه خلفا من كل تلف، بل من علم أنه لا يصل إلى مولاه إلا بعد موته اشتاق إلى وفاته.

قيل لبعضهم: إن الدنيا لا تساوى مع الموت شيئا، فقال: بل الدنيا لو لم يكن الموت ما كانت تساوى شيئا.

وقيل: الموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب، وأنشدوا:

أنت تبقى والفناء لنا ... فإذا أفنيتنا فكن

حكى عن على بن أبى الفتح أنه رأى الناس يتقربون بقرابينهم في يوم عيد: فقال: إلهي الناس يتقربون إليك بقرابينهم وأنا أتقرب إليك بأحزانى، وغشى عليه، فلما أفاق قال: إلهي كم ترددنى في هذه الدنيا؟ قال: فمات من ساعته.

وقيل: من أمارات الاشتياق إلى الله تعالى تمنى الموت على بساط العافية.

وأما من عرف أنه القيوم بالأمور استراح عن كد التدبير وتعب الأشغال وعاش براحة التفويض فلم يضن بكريمة ولم يجعل في قلبه للدنيا كبير قيمة.

يحكى عن الطرماح أنه قال: كنت عند الحسين بن على بن أبى طالب رضوان الله عليهما إذ جاءه سائل فسأله شيئا فأعطاه نعليه، فقلت: يا ابن رسول اللهصلى الله عليه وسلم، الله أولى بعباده، فقال: اسكت يا طرماح، فأنا أستحي من الله أن أسأله فيعطينى ثم لا أعطى من يسألنى.

حكى عن بعضهم أنه قال: من اهتم للخبز فليس له عند الله قدر، وإنما قال ذلك لأنه إذا علم أنه القائم بتدبير الأمور لا ينبغى له أن يهتم للخبز ولا لغيره، ولهذا قيل: من صح توكله في نفسه صح توكله في غيره.

وقال الأكابر: إن جميع كرائم الدنيا والعقبى عند الله أقل من تبنة عند

سلطان، ومن سأل من سلطان الوقت أن يهب منه تبنة واحدة فقد صغرت همته.

وفى هذا المعنى ما يحكى عن عمر البسطامى، تلميذ أبى يزيد، أنه قال: كنت عند أبى يزيد فقال لي: إن وليا من أولياء الله يأتى فمر معنا حتى نستقبله، فخرج، فلما وافى بسطام إذا بإبراهيم بن أنيسة الهروى، فسلم عليه أبو يزيد فقال له: علمت أنك تحبنى فاستوهبتك فوهبك لي، فقال له إبراهيم: ولو شفعك في جميع الخلق ما كان بكبير، فأية شفاعة في قطعة طين! قال: فتعجب أبو يزيد من قوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت