ومن الأدلة على أن ما ينسب إلى بعض الصحابة من التحريق كان على وجه الخطأ وان كبار الصحابة وعلماءهم لم يكونوا يرون مشروعية التحريق بالنار: ما رواه عبد الرزاق في المصنف عن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه قال حرق خالد بن الوليد ناسا من أهل الردة فقال عمر لأبي بكر: أتدع هذا الذي يعذب بعذاب الله؟!
فقال أبو بكر: لا أشيم سيفا سله الله على المشركين.
وفي هذا دليل على أن ما نسب إلى الصديق رضي الله عنه من التحريق لا صحة له.
وقد ذكر الطبري في"تهذيب الآثار: أن عبد العزيز بن مروان أخذ رجلا خالط البهيمة فحرقه، ثم قال الطبري معلقا:"
(وهذا فعل لا أعلم له في الصحة وجها يوجه إليه إلا أن يقول قائل: للسلطان أن يعاقب بما يرى من العقوبة من فعل ذلك ليردع به رعيته عن ركوب مثله من الفواحش، وذلك قول إن قاله خارج من أقوال أهل العلم، ولما ورد به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من نهيه أن يعذب أحد أحدا بعذاب الله تعالى ذكره) . [1]
الاستدلال الثالث:
قولهم بأن أكثر العلماء يجيزون تحريق الحصون على أهلها بالنار، وتحريق المراكب.
والجواب على ذلك:
أن ما ورد من النهي عن تحريق شخص بعينه لا يتناول تحريق الحصون والمراكب، بل ورد في السنة ما يدل على مشروعية ذلك، وقد بوب البخاري لذلك فقال:"باب حرق الدور والنخيل".
وأورد فيه حديث قيس بن أبي حازم قال: قال لي جرير قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تريحني من ذي الخلصة، وكان بيتا في خثعم يسمى كعبة اليمانية قال فانطلقت في خمسين ومئة فارس من أحمس وكانوا أصحاب خيل قال: وكنت لا أثبت على الخيل فضرب في صدري حتى رأيت أثر أصابعه في صدري وقال اللهم ثبته واجعله هاديا مهديا فانطلق إليها فكسرها وحرقها ثم بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فقال رسول جرير والذي بعثك بالحق ما جئتك حتى تركتها كأنها جمل أجوف، أو أجرب قال فبارك في خيل أحمس ورجالها خمس مرات.
ومن ذلك أيضا ما رواه البخاري وغيره عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب يحتطب ثم آمر بالصلاة فيؤذن لها ثم آمر رجلا فيؤم الناس ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم".
(1) تهذيب الاثار للطبري (1/ 561) .