ويقوي هذا التوجيه الذي ذهب إليه الطبري ما رواه الحاكم في المستدرك وسكت عنه الذهبي في التلخيص:
عن عمران بن ظبيان عن أبي يحيى قال: لما جاءوا بابن ملجم إلى علي قال: إصنعوا به ما صنع رسول الله صلى الله عليه و سلم برجل جعل له أن يقتله فأمر أن يقتل و يحرق بالنار.
واستحسن هذا القول إسحاق بن راهويه كما قال ابن رجب:
(ورُوي عن عليٍّ أنَّه أشار على أبي بكر أنْ يقتلَه ثم يحرقه، بالنار، واستحسن ذلك إسحاق بن راهويه لئلا يكون تعذيبًا بالنار.) [1] انتهى الاستشهاد من رسالة"الهدي السمح في طرق القتل والذبح".
وروى البيهقي في السنن الكبرى عن سفيان قال: رأيت عمرو بن دينار وأيوب وعمار الدهنى اجتمعوا فتذاكروا الذين حرقهم على رضى الله عنه فحدث أيوب عن عكرمة عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه بلغه قال: لو كنت أنا ما حرقتهم لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تعذبوا بعذاب الله» . ولقتلتهم لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من بدل دينه فاقتلوه» . فقال عمار: لم يحرقهم ولكن حفر لهم حفائر وخرق بعضها إلى بعض ثم دخن عليهم حتى ماتوا.
وقال ابن عبد البر:
(قد روينا من وجوه: أن عليا إنما أحرقهم بعد قتلهم، ذكر العقيلي قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا شبابة وذكره أبو زيد عمر بن شبة قال حدثني محمد بن حاتم قال حدثنا شبابة بن سوار قال حدثنا خارجة بن مصعب عن سلام بن أبي القاسم عن عثمان بن أبي عثمان الأنصاري قال جاء ناس من الشيعة إلى علي فقالوا يا أمير المؤمنين أنت هو! قال من أنا؟ قالوا أنت هو! قال ويلكم من أنا؟ قالوا أنت ربنا! قال ويلكم ارجعوا فتوبوا .. فأبوا فضرب أعناقهم ثم قال يا قنبر ائتني بحزم الحطب فحفر لهم في الأرض اخدودا فأحرقهم) . [2]
وقد ورد عن علي رضي الله عنه ما يقتضي تصويبه لإنكار ابن عباس، فقد قال البغوي بعد ان روى حديث بن عباس:
(هذا حديث صحيح، أخرجه محمد عن أبي النعمان، عن حماد بن زيد، عن أيوب، ورواه عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، وزاد: فبلغ ذلك عليا، فقال: صدق ابن عباس .. ) . [3]
وروى الدارمي والبيهقي أن سليمان بن حرب زاد في حديث جرير: فبلغ عليا ما قال ابن عباس رضي الله عنهم، فقال: ويح ابن أم الفضل، إنه لغواص على الهنات! [4]
(1) جامع العلوم والحكم (19/ 14) .
(2) التمهيد (5/ 317) .
(3) شرح السنة للبغوي (10/ 238) .
(4) انظر: في الرد على الجهمية (ص: 199) ، في السنن الكبرى (8/ 351) .