وإذا سقط الاحتجاج باقوالهم في هذه المسألة لم يبق من دليل إلا اتباع السنة التي دلت على عدم مشروعية التحريق.
قلت: وربما يكون الصحابة الذين قالوا بمشروعية التحريق لم يبلغهم نسخه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم
ولعل هذا هو ما أراد الجصاص التنبيه عليه عندما قال:
( .. قوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ} يقتضى عمومه جواز قتلهم على سائر وجوه القتل .... وجائز أن يكون أبو بكر الصديق رضى اللَّه عنه حين قتل أهل الردة بالإحراق والحجارة والرمي من رءوس الجبال والتنكيس في الأبار إنما ذهب فيه إلى ظاهر الآية وكذلك على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه حين أحرق قوما مرتدين جائز أن يكون اعتبر عموم الآية ... ) . [1]
وقال الماوردي في الجواب على ما نسب إلى خالد رضي الله عنه من التحريق:
(قيل عنه جوابان: أحدهما: أن أبا بكر وعمر - رضي الله عنهما - أنكرا ذلك من فعله وبرئا إلى الله من فعله.
والثاني: أنها كانت حالا لم ينتشر فيها حكم النهي، ففعل خالد من ذلك ما اقتضاه حكم السياسة عنده: لأنه كان في متقدم الإسلام، وكانوا أول قوم تظاهروا
بالردة بعد قبض الرسول - صلى الله عليه وسلم - وآمنوا بمسيلمة الكذاب، فأظهر بما فعل من إحراقهم بالنار، أعظم العقوبات لارتكابهم أعظم الكفر، ثم علم بالنهي فكف وامتنع). [2]
وقال الشوكاني -في شأن التحريق-: (فما وقع من بعض الصحابة محمول على أنه لم يبلغه الدليل) . [3]
أما الطبري فقد اختار توجيه ما يروى عن الصحابة من التحريق: بأن التحريق المذكور وقع بعد القتل وليس في حال الحياة، حيث قال:
( .. إلا أن يقول: يقتل ثم يحرق، أو يرجم ثم يحرق، فيكون ذلك وجها محتملا، فعل كثير ممن تقدم من أئمة الدين فقد ذكر عن الصديق رحمة الله عليه وعلي بن أبي طالب رضوان الله عليه، أنهما أحرقا بعد القتل قوما ارتدوا عن الإسلام .. ) . [4]
(1) أحكام القرآن ـ للجصاص (4/ 270) .
(2) الحاوي الكبير للماوردي ـ (14/ 384) .
(3) السيل الجرار (ص: 953) .
(4) تهذيب الآثار للطبري (6/ 439) .