وقد وردت هذه القصة عند أبي داود والبيهقي من طريق عبد الحميد بن عبد الرحمن الحماني عن طلحة بن يحيى وبريد بن عبد الله بن أبى بردة، ولم يذكر فيها الحرق وإنما ذكر القتل.
ولفظها: (قال: لا أنزل عن دابتى حتى يقتل فقتل) .
فبان أن رواية عبد الله بن نمير عن طلحة بن يحيى رواية شاذة، وأن المحفوظ هو رواية الحماني عن طلحة، الموافقة لروايات كل من روى عن أبي بردة في ذكر القتل بدل التحريق.
وعبد الله بن نمير الهمذاني الخارفي -وهو والد درة العراق- من رجال الشيخين، قال العجلي:"صالح الحديث صاحب سنة". [1]
وقال ابن ماكولا:"أحد الأئمة في الحديث". [2]
إلا أنه في هذا الحديث خالف كل من رواه من الثقات، وتلك هي صفة الشاذ كما قال العراقي في ألفيته:
وذو الشذوذ ما يخالف الثقه ... فيه الملا، فالشافعي حققه.
وقد كنت رددت على الاستدلال لمشروعية التحريق بما نسب إلى الصحابة من فعله، في رسالة"الهدي السمح في طرق القتل والذبح"، وأنقل ما ذكرته هناك بتصرف يسير:
ويرد على هذا الاستدلال: أن دعوى إجماع الصحابة منقوض بمخالفة ابن عباس.
وبهذا يكون الصحابة مختلفين في مشروعية العقوبة بالتحريق ' وليس قول بعضهم حجة على الآخر.
قال ابن عاصم في مرتقى الوصول:
وليس حجة على الصحابي ... مذهب غيره من الأصحاب
وقال الجويني:
(واجمعوا ان قول الصحابي لا يكون حجة على الصحابي والظاهر من المذاهب انهم اذا اختلفوا يسقط الاحتجاج باقوالهم) . [3]
(1) الثقات للعجلي (2/ 64) .
(2) الإكمال (3/ 236) .
(3) الاجتهاد (ص: 121) .