الصفحة 15 من 58

وإذا عُلم أن التعزية سنة مشروعة، فإن البدعة لا تحيي سنة، قال إمام أهل السنة والجماعة في عصره أبو محمد البربهاري (1) : ( واعلم أن الناس لم يبتدعوا بدعة قط حتى تركوا من السنة مثلها، فالحذر من المحدثات من الأمور) (2) .

فإذا تقرر أن الاجتماع للعزاء من العادات، فإن الأصل فيها الإباحة.

فالعادات الباب فيها مفتوح - ولله الحمد - وهي خاضعةٌ لأعراف الناس، فكل عادة انتشرت بين الناس وتعارفوا عليها من فعلٍ أو قولٍ أو أكل أو شرب أو غيرها من الملبوسات والمفروشات ونحوها، فالأصل فيها الحل والإباحة، لكن هذه الإباحة مقيدة بما إذا لم تخالف هذه العادة دليلًا شرعيًا، فإن خالفت الدليل فهي عادة محرمة يجب إنكارها، أما إذا لم تخالف دليلًا فالأصل التوسعة على الناس، فلا يجوز لأحدٍ كائنٍ من كان أن يضيق على الناس فيما اعتادوه وتعارفوا عليه إلا بدليل، وأنت ترى اختلاف الناس من قطرٍ إلى قطرٍ، بل إن من قواعد الشريعة أن العادة محكمة، أي تؤخذ الأحكام الشرعية بناءً على العادات المتقررة عندهم، فالعبادات بابها توقيفي إلا بدليل والعادات بابها مفتوح إلا بدليل ولله الحمد والمنة.

قال الشيخ عبدالرحمن السعدي (ت1376هـ) في منظومته (3) :

والأصل في عاداتنا الإباحة حتى يجيء صارف الإباحة

فيؤخذ منه قاعدة فقهية مهمة وهي:"أن الأصل في العادات والمعاملات الإباحة والحل".

(1) أبو محمد حسن بن علي بن خلف البربهاري، إمام أهل السنة والجماعة في عصره، كان إماما مهيبا، قوَّالا للحق، داعية للسنة واتباع الأثر، قال أبو عبدالله الفقيه: ( إذا رأيت البغدادي يحب أبا الحسن بن بشار، وأبا محمد البربهاري؛ فاعلم أنه صاحب سنة) ، وقال ابن الجوزي عنه: ( جمع العلم والزهد... وكان شديدًا على أهل البدع) ، توفي ـ رحمه الله تعالى ـ في رجب سنة (329هـ) .

(2) شرح السنة للبربهاري (ص: 18) .

(3) رسالة في القواعد الفقهية (ص:31) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت