لنبيٍّ أن يتغني بالقُران» /70/.
وقد اختلف العلماء في معنى قوله - «يتغنى» على وجهين رئيسين:
أ- الاستغناء به، وهو من الاستغناء الذي ضد الافتقار، لا من الغِناء، يقال: تغنيت وتغانيت بمعنى استغنيت، وتغانوا: أي استغنى بعضهم عن بعض. وإلى هذا التأويل ذهب سفيان بن عيينة، كما صَرَّح به البخاري [1] وغيره، إذ قال بعد أن ساق هذا الحديث من طريق سفان عن الزهري، قال: قال سفيان: تفسيره يستغني به. وكان يقول في حديث: «ليس منا من لم يَتَغَنَّ بالقرآن» [2] : ليس منا من لم يستغن بالقرآن عن غيره، ولم يذهب إلى الصوت [3] . ونصره في ذلك أبوعبيد القاسم بن سلام، فقال: وهذا جائز فاش في كلام العرب، تقول: تَغنَّيت تغنيًا بمعنى استغنيت وتغانيت تغانيًا أيضًا، واستدل بقول الأعشى [4] :
وكنت امْرءًا زمنًا بالعراق عفيف المُنَاخِ طَويلَ التَّغَنْ
كما استدل بقول الشاعر [5] : /71/.
كِلانا غَنِيًّ عن أخيه حَياتَهُ ونحن إذا متنا أشد تَغَانيا
وبهذا أيضًا قال وكيع بن الجراح ولعله اختيار محمد بن إسماعيل البخاري لإتباعه ترجمة الباب [6] بقوله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [7] . وقال أبوالعباس ثعلب: «الذي حصلناه من حفاظ اللغة في قوله - «كأذَنه لنبي
(1) فتح الباري: (5024) .
(2) سيأتي تخريجه والكلام عليه.
(3) انظر: (غنا) من لسان العرب.
(4) البيت في ديوانه (25) .
(5) البيت في الحماسة البصرية (2/ 55) ، والأغاني (13/ 127) للأبيرد، وفي ذيل الأماني: (73) لسيار بن هبيرة، وفي الكامل (1/ 184) لعبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب.
(6) البخاري: (6/ 235) ، والفتح: (9/ 83) .
(7) سورة العنكبوت، آية (51) .