الصفحة 337 من 445

الوجه الثاني: أن أصل الشرك بالله هو اعتقاد أنه يوجد إله غير الله ينفع أو يضر أو يستحق العبادة لذاته، ولهذا الشرك تعبيرات قولية أو عملية.

والتعبيرات القولية تدل بوضعها اللغوي الاصطلاحي على مدلولاتها، فإذا قالها قائل قاصدًا لمعانيها وفق مصطلحاتها اللغوية دل على أنه قد أشرك بالله في عقيدته.

والتعبيرات العملية تدل أيضًا بوضعها الاصطلاحي المتعراف عليه على مدلولاتها الاصطلاحية، فإذا فعلها فاعل قاصدًا مدلولاتها الاصطلاحية المتضمنة معنى الشرك باله في العبادة دل على أنه قد أشرك بالله.

وهنا نلاحظ أن حركات العبادة لله تعالى حركات لا تختص في الاصطلاح بمعاني العبادة ما لم تقترن بما يدل على أنها عبادة، من نية في النفس، أو هيئة تركيبية خاصة في صورة معينة، ذات مراسيم وأقوال خاصة، كالصلاة ذات الركوع والسجود والقراءات والأذكار والأدعية، وكالطواف حول الكعبة، وكالسعي بين الصفا والمروة، ونحو ذلك.

وقد كان الركوع والسجود عند كثير من الأمم والشعوب القديمة تعبيرًا عن الاحترام والتقدير، وليس تعبيرًا عن عبادتهم لمن يسجدون أو يركعون له، كما تكون صورة الركوع أو السجود لأعمال عادية بحتة، أو أعمال رياضية.

ومن سجود الاحترام والتقدير سجود إخوة يوسف له.

ومن هذا يظهر لنا بوضوح أن عملية السجود ليست تعبيرًا ملازمًا لمعنى العبادة في كل الأحوال، أو في كل المصطلحات، ولذلك كان من يسجد صورة لله وهو في قلبه ونفسه غير ساجد له فإنه لا يكون لله عابدًا.

فلا بد من التعبير المادي من أن يكون مقترنًا بالنية التي تحدد القصد منه، والملائكة لم يقترن سجودهم لآدم بنية عبادة له مطلقًا، وإنما كانوا يعبدون الله الذي أمرهم بالسجود، ولا يشركون بعبادته أحدًا، ولو سجد إبليس لكان سبيله سبيلهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت