ومصالحه، وهذا ما تعجز عنه الجن والملائكة، وهو يدل فعلًا على أن الإنسان مخلوق في أحسن تقويم.
ولكن هذا الإنسان المخلوق في أحسن تقويم سيهبط إلى أسفل سافلين إذا كفر بربه وجحد جحوده أو أشرك به أحدًا، وذلك إذ وجَّه ما لديه من قدرة استنباط وبحث لمعرفة خصائص الطبيعة وكوامنها، ثم أقام بينه وبين الحقيقة الكبرى حقيقة وجود الله سدًا من الجحود والعناد والكبر، فرارًا من طاعة الله وعبادته، وتطاولًا إلى مقام الألوهية إذ تنزع نفسه إلى تأليه ذاته، صرح بذلك أو لم يصرح، وأخلاقيته هذه هي التي ترده إلى أسفل سافلين، بعد أن كان في أحسن تقويم.
وينجو من هذا الردّ الشائن المهين الذين آمنوا بربهم وبما جاءهم من لدنه، وعملوا الصالحات في حياتهم، فهؤلاء يحافظون على بعض مستويات الامتياز الذي وهبوه في أصل الخلق، ومن هؤلاء من يحافظ على المستوى الرفيع، فيبقى أفضل من الملائكة، ومنهم من ينزل عنه على قدر معاصيه وتقصيراته، ولذلك قال الله تعالى في سورة (التين/95 مصحف/28 نزول) :
{لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي? أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ}
أي: فلهم أجر غير مقطوع.
فدلائل النصوص تؤكد أن أمر الله للملائكة بالسجود لآدم أمر منسجم مع منطق الأفضلية، على أنه لو لم يكن آدم قد فضَّله الله بأية ميزة، ثم أمر الملائكة بالسجود له، لكان عليهم أن يسجدوا امتثالًا وطاعة للأمر الإلهي، لا عبادة لآدم، ويكون آدم قبلة سجودهم، كما أن أمكنة خاصة من الأرض هي قبلة العابدين، حينما يتوجهون لله بالصلاة، توحيدًا للجهة وتوحيدًا لصفوف المؤمنين.
وباستطاعتنا أن نلتمس حكمة أخرى لهذا الأمر بالسجود لآدم، إذ نستعرض قصة خلق آدم كما قصها الله علينا.
تشتمل هذه القصة على عرض سابق من الله للملائكة بأنه سيخلق بشرًا،