ومن هنا يتبين لنا أن قصة البقرة ذات علاقة وثيقة بالإيمان بالغيب ؛ ذلك لأن البقرة كانت سببًا في عدة أمور ؛ منها: إحياء الميت , وانفراج الغم الذي أحاط بالناس , والأهم من كل ذلك تعليم بني إسرائيل أن الإيمان بالغيب يستوجب التجرد من الأساليب الظاهرة .
كما أن هذا الاسم يحمل تحذيرًا من منهج اليهود في المجادلة , وتنبيهًا على خطأ أسلوبهم الذي استخدموه مع رب العزة ومع أنبيائه .
أضف إلى ذلك أن حادثة البقرة كانت لإظهار الحق وحفظه من الضياع , كما هو حال آية الدين .
فالبقرة أظهرت الحق في الدماء ,
وآية الدين تظهر الحق وتحفظه في شأن الأموال والديون .
خامسًا: وجه اختصاص سورة البقرة بآية الدين
في القرآن الكريم قد ترى المعنى الواحد مبثوثًا ومصروفًا في أكثر من سورة , لكن هناك معانٍ لم تذكر إلا في سورة واحدة ولا شك أن هذا المعنى الفريد له علاقة وثيقة بمقصود السورة الأعظم , بل إن هذا المعنى يعدُّ رافدا من روافد الوصول إلى هذا المقصود الأعظم .
يقول أستاذنا محمود توفيق- حفظه الله -: قصة البقرة مثلًا لم ترد في غير سورة البقرة وكذلك قصة هاروت وماروت , وقصة تحويل القبلة , وفريضة الصيام وبيان أحكامه , وقصة طالوت وجالوت , وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت , وقصة الذي حاج إبراهيم في ربه , وقصة الذي مرَّ على قرية وهي خاوية على عروشها , وقصة إبراهيم والطير , وكذلك أحكام المداينة (7) .
والذي يعنينا هنا هو آية المداينة .
وبالنظر في تلك المقاصد التي اختصت بها السورة دون غيرها يلحظ أنها وضعت في إطار القصة عدا الحديث عن الصيام وعن المداينة ؛ فقد جاءا في إطار قوله ( كُتب عليكم ) .