الصفحة 10 من 134

وفرق بين أن تلقي خطابًا لنفس خالية من البواعث والمحرضات ، وبين أن تلقي الخطاب نفسه إلى نفوس تشبعت بالإيمان , واستحضرت الآخرة واستعدت لها بأنواع العبادات _ لا شك أن هذا الأمر سيكون محل استجابة وموضع قبول .... ومن أجل ذلك وضعت آية الدين بعد كل هذه الرحلة الطويلة من حديث عن العقيدة وموقف الناس منها , ومن حديث عن التشريع وأعمدته الرئيسة ؛ فالنفوس صارت مهيئةً ,والإيمان في أعلى درجاته , وهذا يصور أهمية استثارة النفوس لتلقي الأوامر والنواهي عامةً ؛ ومنها المتعلقة بالأموال .

ثم يأتي الختام الزاخر بما أعده للممتثلين الطائعين الطامعين في عطاء الله تعالى وعفوه .

وكأن ما تقدم من توطئة لا يكفي , فلابد من إحاطة هذه الأوامر والنواهي من جانبيها بسياج منيع ؛ حتى لا يترك للنفوس مخرج , أو محيص عنها ؛ فيذكر بعد آية الدَّين آيات الختام , وهي آيات باعثة ومحرضة أيضًا على الامتثال والطاعة , لما تحمله من جزاء الطائعين وثواب الممتثلين , بالإضافة إلى ترهيب المعرضين , والتنويه بما ينتظرهم من عذاب أليم .

رابعًا: المقصود الأعظم لسورة البقرة وعلاقة آية المداينة به

الإيمان بالغيب - وبخاصة البعث - هو أقرب المعاني إلى مقصود سورة البقرة , وقد انتشر ذلك في السورة على نحو ظاهر ؛ فلقد بدأت السورة بقوله تعالى: ( ألم ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (البقرة 1 - 3)

* فكان أول صفات المتقين: الإيمان بالغيب .

* وفي قصة آدم عليه الصلاة والسلام يقول الله تعالى للملائكة (َ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) (البقرة:30)

* * وتقرّ الملائكة بهذه الحقيقة فتقول ( سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (البقرة:32) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت