لأحد، وإن الفرار ملازم أعدائه ولا قرار على زائر على الأسد ولو مدبرين وأدبروا على أعقابهم ناكصين ولجأوا إلى معقلهم معتقلين لا متعقلين، فعند ذلك زحفنا إليه من كل جانب حتى صرنا كالنطاق بخصره، ودرنا به حتى عدنا كاللثام بثغره، وأمطرنا عليه من السهام وبلًا سحبت ذيول سحبه المتراكمة، وأجرينا حولها من الحديد بحرًا غرقه أمواجه المتلاطمة، وضايقناها حتى لو قصد وفد النسيم وصولًا إليه لما تخلص، أو رام ظل الشمس أن يعود عليه فيئًا لعجز لأخذنا عليه أن يتقلص، ثم وكلنا به من المجانيق كل عالي الغوارب عاري المناكب عبل الشوى، سامي الذرى، له وثبات تحمل إلى الحصون البوائق وثبات تزول دونه ولا يزول الشواهق، ترفع لمرورها الستائر فتدخل أحجاره بغير استيذان، وتوضع لنزوله رؤوس الحصون فتخر خاضعة للأذقان، فلم يزل يصدع بثبات أركانه حتى هدمها، وتقبل ثنيات ثغره حتى أبدى ثرمها، وفي ضمن ذلك لصق الحجارون بجداره وتعلقوا باذيال أسواره ففتحوها أسرابًا، وأججوها جحيمًا يستعر جمرها التهابًا فصلى أهل النار بنارين من الحريق والقتال، ومنوا بعذابين من حر الضرام وحد النصال، هذه تستعر عليهم وقودًا، وهذه تجعل هامهم للسيف غمودًا.
فعند ذلك جاءهم الموت من فوقهم ومن أسفل منهم، وأصبح ثغرهم الذي ظنوه عاصمًا لا يغني عنهم، ومع ذلك فقاتلوا قتال مستقتل لا يرى من الموت بدًا، وثبتوا متحايين يقدرون ببيضهم البيض والأبدان