الصفحة 218 من 337

وقد عُني النحاة والبلاغيون بهذه الظاهرة وعدّوها من أسباب صفاء العبارة وقوّة الإيحاء وسبك البناء، وأجازوها في حالاتٍ خاصةٍ من التعبير منها [1] :

1ـ أن يحقّقَ الحذفُ فائدةَ الخبر،، وذلك حين يَعلَم المُخاطَب بقَصد المُتكلّم.

2ـ أن تدلّ القرائن ومُقتضيات الحال على الكلام المَحذوف، فيفهَم السامع المُراد منه.

3 ـ دلالة السياق على المَحذوف.

وقد عُني الطوسي بهذه الظاهرة وأشارَ إليها في مَواضعها المُتشعّبة من القرآن الكريم، وأفاضَ في التعليلات والتأويلات لوجوه الحَذف وأسبابهِ ودَلالاتهِ. وقد وَضع للحذف شرطًا قال فيه: (( ليسَ كلّ كلامٍ دالِّ على معنىً غير مذكورٍ يكون فيه حذفٌ؛ لأنّ قولك: زيدٌ ضاربٌ، دلَّ على مَضروب، وليس بمحذوفٍ، وكذلك زيدٌ قاتلٌ، دالٌّ على مَقتول، وليس بمَحذوف ) ) [2] ، فالمحذوف ما يحتمل ذكره في الكلام من غير إخلالٍ بالمعنى، فلا يجوز القول: زيدٌ ضاربٌ المَضروب، وقد أشار الفراء قبله إلى مايقرب من هذا المعنى [3] .

ويُشير هذا القول إلى ما ذكرَه المُحدثون بعدهما من أنّ لهذا النوع من الجمل بِنيتين هَيكليّتين، الأولى: صحيحة التركيب والقواعد واضحة المعنى مؤدّية للفائدة، والأخرى: تشاركها المعنى وصحيحة التركيب أيضًا، غير أنّها غير مفيدة للمعنى. فقول القائل: زيدٌ ضاربٌ المَضروب، تجد فيه كلمة الَمضروب غير مُستساغة؛ لأنّها لا تفيد السامع شيئًا يجهله [4] ، فمما لاشكّ فيه أنّ لكلّ ضَرْب ٍضارِبًا ومَضروبًا، فالدَلالة بين فعل الضَرْب والمَفعول به المَضروب، دَلالة التزاميّة تُفهم من الكلام من غير تأويلٍ. وعلى هذا فالمُكوِّن الدَلالي للجُملة يتمثّل بالبِنية السطحية لها، ولا يحتاج إلى البِنية العميقة المُقدّرة. ولم يُجِزْ الشيخ الحذفَ من غير دَلالة تُنبئُ عنه [5] ، وقد أعطى للقرائن اللفظية والمعنوية أثرًا بالغًا في معرفة المحذوف والدَلالة عليه. وذكر طائفة من الأسباب التي تستدعي الحذفَ، نذكر منها ما يأتي:

أـ دلالة الكلام على المحذوف: من ذلك حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه في مثل قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ... } [النساء: 127] ، إذ يُقدِّر الطوسي محذوفًا في الآية، والتقدير: (( يسألُكَ يامحمّد، أصحابكَ أن تُفتيهم في أمر النساء،

(1) ينظر: الكتاب2/ 130، والمقتضب2/ 137ـ139،151ـ152،4/ 129ـ130، والأصول في النحو 2/ 54،

وأثر المعنى في الدراسات النحوية325ـ326.

(2) التبيان 2/ 32.

(3) معاني القرآن للفراء3/ 182.

(4) ينظر: ابن جني عالم العربية 174 ـ 176.

(5) التبيان 2/ 515.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت