الصفحة 217 من 337

3ـ تقديم السبَب على المُسبِّب: ومنه قوله تعالى: {وَأنَّ لِلْكَفِرِين عَذَابَ النَّارِ} [الأنفال: 14] . قال الطوسي: (( وإنّما قدّم الخبر في قوله:(وأن للكافرين) على الاسم لدلالته على الكفر الذي هو السبب للعذاب، ومرتبة السبَب قبل المُسبِّب )) [1] .

4ـ تقديم الأعرَف: ومن ذلك قوله تعالى: {إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ} [البقرة: 143] فقد علّل الشيخ تقديم (الرَأفَة) على (الرَحمَة) فقال: (( لأنّ الرَأفة أشدُّ مبالغةً من الرَحمة ليجريَ ـ على طريقة التقديم بما هو أعرَف ـ مَجرى أسماء الأعلام، ثم إتْباعه بما هو دون منه ليكون مجموع ذلك تعريفًا أبلغَ منه، ولو انفرد كلّ واحد عن الآخر كما هو في الرحمن الرحيم ) ) [2] أي أن اجتماع الرأفة والرحمة أبلغ من انفراد كلّ منهما، لأنّ في كلّ منهما خصوصيّة في المعنى تحقّق باجتماعها فائدة دلاليّة هي قوّة المبالغة، إذ الرَحمةُ أعمّ وأشمل من الرَأفة وهي إفضال من الله وإنعام، أمّا الرأفة فهي أخصّ، لأنّ فيها دَفعًا للمَكروه وإزالة للضرر [3] .

(2) الحذف:

كما ذكرنا سالفًا فإنّ الجملة العربية تتكون من ركنين أساسيين لا يمكن الاستغناء عنهما هما: المسند والمسند إليه، وقد يلحق بهما بعض العناصر المكمّلة لهما كالمفاعيل والظروف والجار والمجرور، ممّا سمّي فضلة.

ولكنّ حذف أحد هذه المُكوِّنات أحيانًا يكون أفضل من ذكرها؛ لأنّ المحذوف (( إذ دلّت عليه القرينة كان ذكرُه ثقيلًا في موضعه؛ لأنّه تعريف لما عُرّف، وبيان لما بُيّن، وإذا حذفتَ المعروفَ فقد رفعتَ الثِقَل عن السامع ) ) [4] .

والحذف إسقاطُ كلمة بخلَفٍ يقومُ مقامَها [5] وهولا يأتي اعتباطًا، إنّما هو من أسرار اللغة ودَقائقها العجيبة تتحقّق به أغراض دَلاليّة جَمّة، وقد قال فيه الجرجاني: (( هذا بابٌ دَقيق المَسلك لَطيف المَأخَذ، عَجيب الأمر شَبيه بالسِحر، فإنّكَ ترى به ترك الذِكر والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدُكَ أنطقَ ما تكون إذا لم تَنطق، وأتمّ ما تكون بيانًا إذا لم تُبِن ) ) [6] .

(1) التبيان 5/ 90.

(2) التبيان 2/ 11.

(3) التفسير الكبير 2/ 4/93ـ94.

(4) ابن القيم وحسه البلاغي 85.

(5) الحدود في النحو 70.

(6) دلائل الإعجاز: 162.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت