الصفحة 216 من 337

فقالوا: (ضرب عمرًا زيدٌ) ، فإن ازدادت عنايتهم به قدَّموه على الفعل الناصبة فقالوا: (عمرًا ضرب زيدٌ) ... )) [1]

وتقديم الضمير في الآية أبلغ وأدلّ على الاختصاص [2] ، وعدّه ابن القيم الجوزية (( من باب تقديم الغايات والوسائل. إذ العِبادَة غاية العِباد التي خُلِقوا لها، والاستعانة وسيلةٌ إليها ) ) [3] . ومنه أيضًا قوله تعالى: {بَلِ اللهِ فِاعْبُدْ} [الزمر: 66] ، والمعنى (( وَجِّه عبادَتك إليه تعالى وحده دون الأصنام ودون كلّ وثنٍ ) ) [4] .

(2) العناية بالمقدّم: وذلك في قوله تعالى: {فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} [البقرة: 213] . فقد وقف الطوسي عند تقديم ذكر (الاختلاف) على ذكر الحق، قال: (( فإنّ قيل: إذا كانوا إنّما هُدوا للحقّ من الاختلاف، فلِمَ قيل: للاختلاف من الحق؟ قيل: لأنّه لمّا كانت العناية بذِكرِ الاختلاف كان أوْلى بالتقديم ... ) ) [5] وهو لدى الطبري من المقلوب المعروف عند العرب [6] .

ومنه أيضًا قوله تعالى: {وَلَقَدْ أرْسَلْنَا نُوحًَا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ - أن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاّ اللهَ ... } [هود: 25ـ26] ، إذ علّل الطوسي تقديم العبادة على سواها من الطاعات فقال: (( وإنما بُدِئ بالدعاء إلى العِباد دون سائر الطاعات؛ لأنّها أهمّ ما يُدعى إليه مَن خالف الحقّ فيه؛ لأنّه يجب أن يفعل كلّ واحدة من الطاعات على وَجه الإخلاص والعبادة فيها لله ) ) [7] . فلأنّ عبادة الله هي أساس الرسالات السماويّة وأوّل التعاليم الدينيّة المكلّف بها البشر، فقد وردَت متقدّمة في الآية على سواها من الطاعات. وهو من باب تقديم الأهمّ والعناية به، وفي ذلك يقول سيبويه: (( كأنّهم إنّما يُقدّمون الذي بَيانه أهمّ لهم، وهُم ببيانه أعنى، وإن كانا جميعًا يهمّانهم ويَعنيانهم ) ) [8] .

(1) المحتسب1/ 65ـ66.

(2) الكشاف1/ 62،ومجمع البيان1/ 25.

(3) التفسير القيم: 65 ـ 69، وينظر ابن القيم وحسه البلاغي في تفسير القرآن: عبد الفتاح لاشين 122.

(4) التبيان: 9/ 44، 2/ 189، 3/ 132.

(5) التبيان 2/ 196.

(6) جامع البيان 2/ 340.

(7) التبيان 5/ 470.

(8) الكتاب 1/ 34.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت