يطرأ على الجملة مُقتضيات معنوية مختلفة تدعو إلى تغيير ترتيبها مع الاحتفاظ بالعلامات الإعرابية وسيلةً للكشف عن الرُتب الأصليّة للكلمات، وتنشأ بذلك البنى التوليدية والتحويلة تبعًا لقواعد التحويل والتوليد التي يُعدّ التقديم والتأخير واحدأ منها.
وقد عُني القدماء (1) بهذه الظاهرة واتخذوها وسيلةُ لكشف الثراء الدلالي للغة العربية عامّة، ولغة القرآن خاصة، وعُني بها بوجه خاص البلاغيون وتتبّعوا دَلالات الترتيب، فوجدوا أنّ سياقات التقديم والتأخير تحكُمها ثلاثة جوانب (2) :
1 ـ التصورات الذهنية للمُبدع أو المتكلّم.
2 ـ الاحتياجات الدلالية للمتلقي أو المخاطب.
3 ـ طبيعة الصياغة المثالية للجملة.
واتخذوا من الرُتبة النحوية في الجملة أصلًا أو مِعيارًا يُقاس عليه العُدول لتأدية أغراض دَلالية معينة، ما كانت تؤدّيها الكلمة لو أنّها بقيت في مكانها الأصلي (3) ، ومن تلك الأغراض: التخصيص والتعظيم والتشريف والكثرة والعناية وغير ذلك.
وقد وقف الطوسي عند هذه الظاهرة وهو يُدرِك أنّها بمثابة تركيب سياقي وائتلاف دلالي يَقصدُه المتكلّم ويعنيه، إذ عرّفها فقال: (( التقديم ترتيب الشيء قبل غيره، وضدّه التأخير، وهو ترتيب الشيء بعد غيره، ويكون التقديم والتأخير في الزمان، وفي المكان، وفي المَرتبة، كتقديم المُخبَر عنه في المَرتَبة، وهو مؤخّر في الذِكر كقولك: في الدار زَيد. وكذلك الضمير في(غُلامَه ضربَ زيدٌ) وهو مُقدَّم في اللفظ مُؤخَّر في الرُتبة )) (4) . وهو بذلك يتحدّث عن البِنية السطحية المتمثّلة بالجُمل المنطوقة والبِنية العميقة المتمثلة بالجملة المؤوّلة عنها، كما أنّ جملة (غلامَهُ ضربَ زيدٌ) ، تُعدّ غير صحيحة؛ لأنّها خالفت القواعد الصحيحة في ترتيب الجمل العربية (5) ، إذ يعود الضمير على متأخّرٍ رُتبةً، والأصل أن يعودَ على ما تقدَم عليه في الرُتبة، ولابدّ لتبرير هذا الترتيب من أن نعتمدَ تحويلًا ينزل به المفعول (غلامَه) من رُتبة التقديم إلى رًتبة التأخّر ليكون بعد الفعل والفاعل، والتقدير: ضربَ زيدٌ غلامَه، فتكون الجملة الصحيحة المتمثلة بالبنية العميقة على الوجه الآتي: