الصفحة 213 من 337

العوارض مَحطّ عناية علماء اللغة عامة، وعلماء النحو خاصة، فتناولوها بالتحليل والتعليل وسَعَوا للكشف عن دَلالتها المُتنوّعة.

وقد عُني بها الطوسي أيضًا؛ لأنّها من السمات المُميّزة لأسلوب القرآن الكريم، ومن الظواهر الدلاليّة المهمة التي يترتّب عليها فَهم معانيه الظاهرة والباطنة، وقد فصّل القول في هذه المباحث البلاغية الدكتور كاصد ياسر الزيدي في دراسته القيّمة لمنهج الطوسي [1] . ولذا سيقف البحث على الجانب الدلالي منها، وسيقتصر الحديث على طائفة من الظواهر الأسلوبية التي تعرض للجملة وكان للطوسي فيها جهد مميّز.

1 ـ التقديم والتأخير:

تخضع الجُملة العربية لمَجموعة من العَلاقات المتآلفة في نسيج متماسك، تعدّ الأساس في بناء التركيب النحوي، فمِن غيرها لا يمكن أن يؤدّي هذا التركيب دلالةً مفهومةً.

وأهمّ هذه العلاقات هي الإسناد، وهو (( عملية ذهنيّة تعمل على ربط المسند بالمسند إليه ) ) [2] ، ولايمكن أن تخلو الجملة الصحيحة من مسند ومسند إليه، فضلًا عمّا يلحق بها من متعلقات متمّمة للجملة من مَفاعيل وظروف ونَحوها، وهي التي تَمنح التركيب النحوي دَلالة أوسع بين المتكلم والسامع.

وتخضع الجملة العربية لمِعيار الرُتبة بالدرجة الأساس، إذ تدلّ على المعنى بوضع مخصوصٍ وترتيبٍ مخصوصٍ، وهي ما تُعرف في علم اللغة الحديث بالبِنية التكوينية، أو جُملة النَواة [3] ، أو المُكوِّن التركيبي الأساس [4] ، وهي من أهمّ مبادئ نظرية تشومسكي اللغوية، فإذا بُدِّل ذلك الوَضع أو الترتيب أو تغيَّرت الدلالة. فالرُتبة هي القرينة اللفظية التي تحدّد معنى الكلمة [5] ، إذ يتقدّم الفعل على الفاعل، والمبتدأ على الخبر. فضلًا عن ذلك فإنّ الكلمة في الجملة العربية تأتي حاملةً ما يدلّ على وظيفتها النحوية من خلال ما يظهر عليها من حركاتٍ إعرابية، إذ تتولّى هذه الحركات مهمّة تبيان المَوقع الوظيفي للكلمة في الجملة، مما يُهيّء لها حرية ًومرونةً في الانتقال بين أبعاد السياق اللغوي، فتتقدّم وتتأخّر تبعًا للمعنى المقصود [6] ، إذ

(1) منهج الطوسي 324 ـ 367.

(2) في النحو العربي: نقد وتوجيه31.

(3) البنى النحوية 115ـ116.

(4) الألسنية التوليدية والتحويلية وقواعد الجملة العربية (الجملة البسيطة) 15 ـ 16.

(5) اللغة العربية معناها ومبناها 191

(6) في النحو العربي: نقد وتوجيه 67 ـ 68.

(2) ينظر: الكتاب 1/ 34، 56، وتأويل مشكل القرآن 16، والمقتضب 3/ 118 ـ 119،4/ 168 ـ172،

والأصول في النحو 2/ 222ـ255، والخصائص 2/ 382 ـ 389، ودلائل الاعجاز 135 ـ 147.

(3) البلاغة العربية 238.

(4) ينظر: البلاغة والاسلوبية 201.

(5) التبيان 10/ 194

(6) الألسنية التوليدية التحويلية وقواعد اللغة العربية (الجملة البسيطة) 9.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت