ويَبتليهم ليرى أعمالهم فيحاسبَهم على ما يقعُ من أفعالهم، وليس على ما اطّلع عليه في دواخلهم ممّا لم يقع بعد منهم.
3 ـ ذهب النحاة إلى أنّ الشرط يفيد الاستقبال وإن كان فعله ماضيًا؛ لأنّ أدواته تقلب الماضي إلى المُستقبل [1] ، وقد أشار الطوسي إلى هذا المعنى [2] ، ولذا كان يؤوّل كلّ فعل ماضٍ في الشرط بطريقة أو بأخرى بالدلالة على المستقبل، كما أنّه صرّح بأنّ (( حرف الجزاء لمّا كان يعمل في الفعل قويَ على نقلِه من الماضي إلى الاستقبال ) ) [3] .
ومثاله قوله تعالى: {فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَاوْلَئِكَ هُمُ الْفَسِقُونَ} [آل عمران: 82] ، فمعنى الآية يوجب أن يكون الشرط وجزاؤه في المستقبل، لكنّ الفعل فيها ورد بصيغة الماضي، وقد أوّله الطوسي فقال: (( إنْ كان شرطًا وجزاءً في المستقبل فانّ الماضي يَدخل فيه من وجهين:
أحدهما: أن يكون تقديره: فمن يصحُّ أنّه تولّى. كما قال {إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ} [4] ، أي إن يصحّ أنّ {قَمِيصُهُ قُدَّ من قُبُلٍ فصَدَقَتْ} . والآخر: مساواة الماضي للمستقبل فيدخل في دَلالته ... )) [5] ، ونسب مثل هذا القول في موضع آخر لابن السراج [6] .
ومنه أيضًا قوله تعالى: {وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَرَ ثُمُّ لاَيُنصَرُونَ} [الحشر:12] ، إذ قال في تأويل مجيء الفعل ماضيًا أنّه (( جاء على تقدير المستقبل كما يجيء في الماضي بـ(لو) ؛ لتبيين خَوَرِهم وضَعْفِ قلوبِهم ... )) [7] ، وكأنّ تقدير الكلام: لو نَصروهم لولّوا الأدبار وكأنّه قد وَقَع.
ويعلّل مجيء الماضي في الشرط بالدلالة على تحقّق وُقوع الفعل، من ذلك قوله تعالى {: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} [التكوير:1] ، ففي هذه الآية وما يُماثلها تجد (( اللفظ وإن كان ماضيًا فالمُراد به الاستقبال؛ لأنّه إذا أخبَر تعالى بشيءٍ فلا بُدّ من كونِه، فكأنّه واقعٌ، والفعل الماضي
(1) شرح التصريح على التوضيح: خالد الأزهري 2/ 249، وحاشية الخضري على شرح ابن عقيل 2/ 122،
وينظر: معاني النحو 4/ 442.
(2) التبيان 3/ 41 ـ 42.
(3) التبيان 2/ 517، وينظر 4/ 524.
(4) يوسف:26.
(5) التبيان 2/ 516.
(6) التبيان 6/ 127، وينظر: الأصول في النحو 2/ 190 ـ 192.
(7) التبيان 9/ 569.