الصفحة 188 من 337

ب ـ دلالة النهي:

وهو طَلبُ الكَفِّ عن الفِعل على وجه الاستعلاء [1] 1)، وهو خِلاف الأمر، فقد فرّق بينهما ابن السراج بقوله: (( إذا قلتَ(قُمْ) إنّما تأمره بأن يكونَ منه قيام، فإذا نَهَيْتَ فقلتَ: (لا تَقُمْ) فقد أردتَ منه نَفي ذلك، فكما أنّ (الأمر) يُرادُ به الإيجاب، فكذلك (النَهي) يُرادُ به النَفي )) [2] . وله صيغة واحدة هي المضارع المسبوق بلا الناهية نحو: لا تلعَبْ، ولا تُفسدْ، ولا تُهمِلْ.

وقد وقف الطوسي عند هذا الأسلوب ووازّن بينَه وبينَ الأمر من عدة وُجوه أهمّها:

1ـ إنّهما يَلتقيان في الدَلالة على أكثر من معنىً، من ذلك دَلالتهما على الزَجْر والتَهديد، إذ يكون الزَجْر في النَهي لِمَن هو دونَ الناهي [3] .

2ـ فرّق بينهما في المَفهوم، حين وازَنَ بين قَوْل القائل: انتَهوا مِن شُرْب الخَمر، وقولُه: لا تَشْرَبوا الخَمر. فالمعنى في القَولين مُختلف؛ (( لأنّه إذا قال: انتَهوا دلّ على أنّه مُريدٌ لأمر يُنافي شُرْب الخَمر، وصيغة النَهي إنّما تدلّ على كَراهَة الشُرب؛ لأنّه قد يَنصرِف عن الشُرب إلى أخذِ أشياءَ مُباحة، وليس كذلك المَأمور به؛ لأنّه لا يَنصرِف عنه إلا في مَحذورٍ، والمَنهي عنه قد يَنصرِف إلى غير مَفروض ) ) [4] ، بمعنى أنّ النهيَ أبْلغُ في تَرك الخَمر مِن الأمْر بالانتهاء منه، إذ النَهيُ يوجِب تَركه على سبيل الحُرْمَة، والثاني لا يُشير إلى حُرْمَته وإنّما إلى وُجوبِ الانتهاء مِنه مع احتِمال العَودة إليه.

وأشارَ إلى أنّ النهيَ قد يكون عن شيءٍ ويُراد بهِ شيءٌ آخر، من ذلك قولُه تعالى على لسانِ إبراهيمَ ويعقوبَ ـ عليهِما السلام ـ لأولادِهما: {فَلاَ تَمُوتُنَّ إلاّ وَأنتُم مُّسْلِمُونَ} [البقرة: 132] . إذ إنّ ظاهر الكلامِ يدلّ على أنّ النهيَ عن المَوت، ولكنّ المَوت ليس في مَقدور البَشر، فكيفَ يصحُّ أن يُنهى عَنه؟ أجاب الطوسي عن ذلك فقال: (( اللفظُ وإن كان على لفظِ النَهي، فما نُهوا عن المَوت، وإنّما نُهوا في الحقيقة عن تَرْك الإسلام، لئلاّ يُصادفُهم المَوت عليه. وتقديرُه: لاتتعَرّضوا للمَوت على تَرك الإسلام بفِعل الكُفر، ومثلُه من كلامِ العرب: لا رَأيتُكَ هاهنا، فالنَهي في اللفظِ للمتكلّم، وإنّما هو في الحقيقة للمُخاطَب، فكأنّه قالَ: لاتتعَرّض لأن أراكَ بكونِك هاهنا ... والأصل في هذا أنّ التَعريض لوُقوع الشيء بمنزلة إيقاع الشيء ) ) [5] ، أي

(1) ينظر: مفتاح العلوم 152 ـ 153، والإيضاح في علوم البلاغة1/ 145.

(2) الأصول في النحو 2/ 157، وينظر: أساليب الطلب عند النحويين والبلاغيين 465.

(3) التبيان 3/ 180.

(4) التبيان 4/ 19

(5) التبيان 1/ 474.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت