وعلّل إفادتها هذا المعنى بـ (( أنّها لمّا كانت(إنّ) للتأكيد ثم ضُمّ إليها (ما) للتأكيد أيضًا، أكَّدت (إنّ) من جهة التحقيق للشيء، وأكَّدت (ما) من جهة نفي ما عداه، فكأنّك إذا قلتَ: إنّي بَشَر، فالمعنى: أنا بَشَر على الحقيقة، فإذا قلت: إنّما أنا بشر، فقد ضممتٌ إلى هذا القول: ما أنا إلاّ بَشَر )) [1] . وفي هذا قصرٌ الموصوف على الصفة، أي: إنّ هذا الموصوف ليس له إلاّ هذه الصفة التي يختصّ بها وتميّزه من سواه من المَخلوقات.
وكذلك إذ قال القائل: (( إنّما لك عندي دِرْهم، فُهِمَ منه نَفْي ما زادَ عليه، وقامَ مقام قولهِ: ليس لك عندي إلاّ درهم، ولذلك يقولون: إنّما النحاة المُدقّقون البصريون، يريدون نفيَ التدقيق عن غيرِهم، ومثلهُ قولهُم: إنّما السَخاء سَخاء حاتَم، يريدون نفيَ السَخاء عن غيرِه ) ) [2] . وفي هذا قصر الصفة على الموصوف، أي: إنّ هذه الصفة مُقتصرة على (حاتَم) فلا أحدَ سواه يتّصف بها كما اتّصف هو بها.
ومن أمثلته قولُه تعالى: {إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ} [لنحل: 51] إذ بيّن الطوسي دلالة (إنّما) على القَصْر فقال: (( أخبرَ أنَّه إله واحد لا أكثرَ منه؛ لأنّ لفظة(إنّما) تُفيد ثبوت الإله الواحد، ونفي ما زادَ عليه )) [3] فقد قَصَر صفة التوحيد على (الله) الواحد الأحَد الذي لا تَجوز الألُوهية إلاّ له.
ومنه أيضًا قولُه تعالى: {إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا} [الأنعام:156] ، فقد خصّ طائفتي اليهود والنصارى (( بالذِكر لشُهرَتهما وظُهور أمرِهما ) ) [4] . وقولُه: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ الَّذِيْنَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَكِعُونَ} [المائدة: 55] فقد أفادت (إنّما) تخصيص الوِلاية [5] .
ب ـ النفي وأداة الاستثناء (إلاّ) : قال: (( وإلاّ حقيقتها الاستثناء، ومعنى ذلك الاختصاص بالشيء دون غيره. كقولك: جاءني القومُ إلاّ زيدًا، فقد اختصصتَ زيدًا بأنّه لم يجئ، وإذا قلت: ما جاءني إلاّ زيدٌ، فقد اختصصت زيدًا بأنّه جاء، وإذا قلت: ما جاءني زيدٌ إلا راكبًا، فقد
(1) التبيان 3/ 83، وينظر 4/ 323.
(2) التبيان 3/ 560.
(3) التبيان 6/ 389.
(4) التبيان 4/ 323 ـ 324.
(5) التبيان 3/ 560، وينظر التفسير الكبير 4/ 12/383.