المعاني الداخلة على الخبر:
تطرّق الطوسي لطائفة من الأساليب النحوية التي تَعرِض للخبر، فتدخُل على الجملة الخبريّة لدلالة معنويّة، أهمّها: التَوْكيد والقَصْر، اللذان يُعدّان من أساليب التحويل المهمّة لبِنية الجُملة العربيّة، وسيقف البحث عند كلٍّ منهما بإيجاز وكما هو آتٍ:
(1) التوكيد:
وهو تمكين المعنى في نفس المخاطَب وتقوية أمره [1] ، يدخل على الخبر أكثر ممّا هو في الإنشاء، لاحتمال الأوّل الصدق والكذب، فيأتي التوكيد لتحقيق صدقهِ وإزالة الشكّ فيه.
وقد ذكر الطوسي عدّة أساليب للتوكيد هي:
أ ـ لام الابتداء: وهي لام مَفتوحة مُهمَلة تدخلُ على المبتدأ، فتقطعُ ما قبلها أنْ يعملَ فيما بعدها، ولها صدر الكلام غالبًا. وظيفتها توكيد الجملة المثبتة وإزالة الشكّ عنها، نحو: قد علمتُ لَزيدٌ خيرٌ منكَ [2] .
ب ـ إنّ وأنّ: وهما من الحروف المشبّهة بالفعل تدخلُ على المبتدأ فتؤكِّده فيكون الكلام كأنّه مكرّر مرّتين، وإذا اجتمعت مع لام الابتداء (( زُحلِقَت اللامُ إلى الخبر لئلاّ يَجتمع تأكيدان على كلمةٍ واحدةٍ ) ) [3] ، وذلك لأنّ (إنّ) عاملةٌ تنصب المبتدأ وترفع الخبر، ولام الابتداء غير عاملةٍ، فقُدِّم العامل على غير العامل [4] ، إذ لا تفقد اللام دَلالتها على التوكيد بتأخيرها. وهذا ما ثبتَ لدى سابقيه ولاحقيه من النحاة [5] .
ت ـ التوكيد المعنوي: مثل: جميع وأجمع وكلّ ونفس وعين، ومن ذلك قوله تعالى: {أُوْلَئِكَ عَلِيْهِمْ لَعْنَةُ اللهُ وَالْمَلَئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [البقرة:161] إذ بينّ الشيخ دلالة التأكيد بـ (أجمعين) فقال: (( ليرتفعَ الاحتمالُ والإبهامُ قبل أن يُنظَر في تحقيق الاستدلال، ولهذا لم يُجِزْ الأخفش: رأيتُ أحدَ الرجُلين كِليْهما، وأجازَ رأيتُهما كِليْهما؛ لأنّك إذا ذكرتَ الحُكْم مَقرونًا بالدليل عليه أزَلْتَ الإبْهام للفَساد، وإذا ذكرتَ الحُكْم وحدَه، فقد يُتوَّهَم عليك الغلَطُ في
(1) التبيان 3/ 9، 31.
(2) التبيان 5/ 163، وينظر: اللامات: الزجاجي 69 ـ 70،وأساليب التأكيد في العربية: إلياس ديب237.
(3) التبيان 5/ 263.
(4) التبيان 10/ 11.
(5) ينظر: الكتاب 3/ 146ـ148، والمقتضب 2/ 344، وشرح الكافية 2/ 393.