ثم حرف عطف يقتضي ثلاثة أمور: (( التشريك في الحكم والترتيب والمهلة ) ) [1] وقد أشار البقاعي إلى استعمالها بمعنى التراخي، وهو ما أطلق عليه ابن هشام المهلة، وقد ورد هذا الاستعمال في قوله تعالى: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ} [2] .
المقصود من النص، بأنّ تطلبوا ستر الله لذنوبكم، ثم ترجعوا إلى طاعته بالندم والإقلاع والاستمرار بالتوبة (( أشار إلى علو رتبة التوبة بأداة التراخي ) ) [3] .
3 -الفاء:
يخرج حرف الفاء إلى معانٍ عديدة بحسب سياقات الجملة التي ترد فيها، من هذه المعاني هي [4] :
1 -التعقيب: وهو أصل معناها، وأن يكون المعطوف بها متصلًا بلا مهلة.
2 -السببية: وهو أن يكون المعطوف سببًا في المعطوف عليه.
وقد أشار البقاعي إلى هذين الاستعمالين، إذ يعلق على استعمالها في التعقيب في قوله تعالى: { ... فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [5] . ويقول البقاعي: (( وعبر هنا بالفاء المشيرة إلى التعقيب دون تراخٍ؛ لأنّ المقام للاستدلال المنقذ من الضلال الذي يجب المبادرة إلى الإقلاع عنه ) ) [6] فالمعنى: فانظروا كيف حقت عليهم العقوبة وحلّت بهم فلا تسلكوا طريقهم فينزل بكم مثل ما نزل بهم.
وكذلك في الاستعمال نفسه، ما جاء في قوله تعالى: {لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [7] فالمعنى: ولما كان إتيان الشر فجأة
(1) . مغني اللبيب: 1/ 229.
(2) . هود: 52.
(3) . نظم الدرر: 9/ 308 و 19/ 45.
(4) .ينظر: أصول السرخسي:1/ 208،الإيضاح في شرح المفصل:2/ 205،ومغني اللبيب:1/ 324وهمع الهوامع: 5/ 323والأشباه والنظائر:3/ 184والفاءات في النحو:18
(5) . النحل: 36.
(6) . نظم الدرر: 11/ 158.
(7) . الشعراء: 201ـ202.