تجعلهم في منعة وعز من أن ينالهم مكروه من جهتنا، وفي الكلام تقديم وتأخير تقديره: أم لهم آلهة من دوننا تمنعهم.
وكذلك جاءت (( من ) )للابتداء في قوله تعالى: { ... وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ ... } [1] .فيقول البقاعي: (( ولما كان السياق للقدرة على البعث الذي هو التحويل من حال الجمادية إلى ضده بغاية السرعة، أثبت (( من ) )الابتدائية الدالة على قرب زمن الجهل من زمن العلم )) [2] أي فيصير إلى حالة الطفولة ضعيف البنية سخيف العقل، ولا زمان لذلك محدود، بل ذلك بحسب ما يقع في الناس،
ويأتي حرف (( من ) )؛ للدلالة على التبعيض، وهذا ما أشار إليه البقاعي في معرض تناوله قوله تعالى: { ... إلاّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء ... } [3] إذ يقول البقاعي: (( ويجوز أن تكون (( من ) )تبعيضية لما عموا عنه من الحق الذي نزل به الكتاب الذي جاء به النبيون )) [4] والمعنى: إنّ الله تعالى هدى الذين آمنوا في مورد اختلاف الناس في الحق الذي هو الدين والمعارف الإلهية بعلمه وإرادته، فالهداية الحقيقية التي هي أشرف المقامات الإنسانية وأجل المعارج العرفانية تنتهي اليه جلت عظمته [5] ،وقيل: إنّ معنى بأذنه بلطفه، فعلى هذا يكون في الكلام حذف، أي فاهتدوا بأذنه، وإنّما قال هداهم لما اختلفوا فيه من الحق، ولم يقل هداهم للحق فيما اختلفوا فيه، ويعلق أبو حيان الأندلسي: على قوله (( من الحق ) )أي الذي تبيّن المختلف فيه (( ومن ) )تتعلق بمحذوف؛ لأنّها في موضع الحال من (( ما ) )فتكون للتبعيض [6] ، وعلى هذا الكلام يكون البقاعي موافقًا لرأي أبو حيان في عدّ (من) للتبعيض في النص
(1) .الحج: 5.
(2) .نظم الدرر: 13/ 11.
(3) .البقرة: 213.
(4) .نظم الدرر:3/ 202 - 203
(5) .ينظر: مواهب الرحمن:3/ 286
(6) .ينظر: البحر المحيط: 2/ 138.