الصفحة 86 من 373

وسبب تفريقه بين الوصفية والتاريخية أن الدراسات في الغرب قبل مجيئه كانت تاريخية صرفة أو تاريخية مشوبة بشيء من الوصف المبني على أفكار فلسفية أو معيارية حتى القرن التاسع عشر وقد كانت هذه الدراسة نفسها ناقصة من بعض وجوهها، إذ كانت تعني في الاغلب الاعم يتتبع الظواهر اللغوية من مدة الى اخرى لا بوصفها عناصر في نظم لغوية تتبين قيمتها بمواقعها في هذه النظم، وإننا بالنظر اليها كما لو كانت ظواهر منعزلة او بالأحرى - كما لو كانت أمثلة جزئية لا تخضع لقواعد مطردة، قال:"إن الطريقة العلمية الوحيدة لدراسة اللغة هي الطريقة التأريخية" [1] .

أما الدراسات العربية فكان منهجها معياريًا وصيفيًا. وقد ثار سوسير على هذا الخط التقليدي ورأى أن هناك طريقتين مختلفتين لدراسة اللغة هما النظرة التاريخية او ما يدعى احيانا بالنظر الحركية، والثانية هي الوصفية وتعرف (بالثابتة) أو الآنية أو التزامنية [2] .

قال تمام حسان:"إن تاريخ دراسة اللغة العربية ليعرض علينا في بدايته محاولة جدية لإنشاء منهج وصفي في دراسة اللغة، يقوم على جمع المادة وروايتها ثم ملاحظة المادة المجموعة واستقرائها والخروج بعد ذلك بنتائج لها طبيعة الوصف اللغوي السليم" [3] .

وتوصل البحث الحديث الى ان احدث اللغات الجزرية تدوينا هي اللغة العربية فاننا عرفناها لغويا بعد جميع القرآن الكريم، وبعد جمع الشعر الجاهلي وبعض الأمثال ومن الأمور المذهلة حقًا ظهور العربية فجأة على مسرح الحضارة العالمية لغة تامة نامية متكاملة في صرفها ونحوها وبيانها وصفة مفرداتها حتى ان كثيرًا من المستشرقين يرفضون تسمية العرب القدامى الجاهليين لأن من كانت لغته العربية على ما تعهدها في القرآن الكريم، وفي الشعر الجاهلي الرقيق، لا يجوز أن ينعت بالجاهل وعبثًا يحاول دارس العربية العثور على وثائق لغوية سابقة للقرآن الكريم ليطلع على التطور الصرفي والنحوي والبياني، أما لغة النقوش التي يسمونها (نقوشا عربية) سبقت ظهور الاسلام فيه لغة ركيكة لا تشبه العربية الفصحى، [4] واذا انظرنا"الى التطور في مجال الصرف ألفينا أن أكثر"

(1) تاريخ علم اللغة 217.

(2) ينظر التفكير اللغوي بين القديم والجديد 78.

(3) اللغة بين المعيارية والوصفية 22.

(4) نظريات في اللغة: 66.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت