الصفحة 35 من 74

ولقد زاد (ابن كثير) هذه المعاني التي تحدثت عنها في هذه الآية عمقا وتفصيلًا عندما قارن لنا بين نوعين من المتلقين لهذه الآية فقال: (فهذه صفة الابرار عند سماع كلام الجبار ، المهيمن العزيز الغفار ، لما يفهمونه من الوعد والوعيد ، والتخويف والتهديد ، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف .(ثم تلين جلودهم وقلوبهم الى ذكر الله) ، لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه .

أحدها: ان سماع هؤلاء: هو تلاوة الآيات ، وسماع اولئك نغمات الأبيات .

الثاني: انهم اذا تليت عليهم آيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانًا ولهذا لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها ، بل مصغين اليها فاهمين بصيرين بمعانيها ، فلهذا ، انما يعملون بها ويسجدون عندها عن بصيرة ، لا عن جهل ومتابعة لغيرهم .

الثالث: انهم يلزمون الادب عند سماعها ، كما كان الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ عند سماعهم كلام الله ـ تعالى ـ من تلاوة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تقشعر جلودهم ، ثم تلين مع قلوبهم الى ذكر الله ، لم يكونوا يتصارخون ، ولا يتكلفون بما ليس فيهم ، بل عندهم من الثبات والسكون والادب والخشية ما لا يلحقهم احد في ذلك ، ولهذا فازوا بالمدح من الرب الاعلى في الدنيا والآخرة .

قال قتادة في قوله تعالى: {تقشعر منه جلود الذين آمنوا ...} هذا نعت اولياء الله ، نعتهم الله ـ عزوجل ـ بان تقشعر جلودهم ، وتبكي اعنيهم ، وتطمئن قلوبهم الى ذكر الله ، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم ، والغشيان عليهم ، انما هذا من أهل البدع ، وهذا من الشيطان (101) ، ونستنبط من هذا التفسير لهذه الآية بعض المسائل الهامة:

ان دور المتلقي في عملية التأثير من الاهمية بمكان ، فكلما كانت استعداداته النفسية مهيأة لما يسمعه كان ذلك ادعى للتاثير بما يسمع ، وان ابن كثير قد ميز لنا بين مستويين من المستمعين للقرآن من المؤمنين به:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت