الباب الرابع: في العدالة
وأما العدالة فقد قال الله عز وجل: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا} الحجرات: 6.
وقال سبحانه: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} الطلاق:2.
وقال تعالى: {يحكم به ذوا عدل منكم} المائدة: 95.
والشهادة والحكم كالإخبار، والأصل اتحاد الحكم فيهما وفي الرواية إلا ما قام الدليل على الإفتراق فيه.
وقد تقدم في الكلام على الشرط الأول ما يتعلق بهذا فلا حاجة إلى إعادته.
هذا والعدالة مصدر عدل الرجل صار عادلًا، والعدل في الحكم: الإنصاف فيه: كأنه من عدل الغرارتين على البعير مثلًا، أي التسوية بينهما حتى تكونا متعادلتين، فيبقى الحمل معتدلًا مستقيمًا لا ميل فيه، فالعدل في الحكم إذًا: أن ننظر ميل المائل عن الحق فيرده إليه، وحاصله أن يتحرى الحق فيقضي به.
فالعدالة إذًا هي الاستقامة على حدود الشرع، والفسقُ هو الخروج عن هذه الصفة، قالوا: وأصله من فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرتها.
هذا وقد تقرر في أقوال أهل العلم سلفًا وخلفًا أنّ المعصية الصغيرة لا تقتضي الخروج عن العدالة، وقد قال الله تبارك وتعالى: {ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللّمم إن ربك واسع المغفرة} النجم: 31 ـ 32.
فها هنا احتمالان:
الأول: أن يقال: إن الفوسق يختص بالخرج الفاحش، فلا يُسمّى ارتكابُ الصغيرة فسوقًا وإن كان عصيانًا، وقد يُستدل على هذا بقول الله تبارك وتعالى ـ بعد آية {ياأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق} الحجرات: 6 ـ {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} الحجرات: 7.