ومن أشهر كتبه الشرعية التي تناول فيها مسائل لغوية ونحوية وصرفية وبلاغية كتابه: ( عمدة القاري شرح صحيح البخاري ) ، وقد بدأه في سنة 820هـ ، وفرغ منه في سنة 847هـ كما ذكر في آخر الكتاب [1] ، والكتاب مطبوع ، ومن آخر طبعاته طبعة مصطفى البابي الحلبي سنة 1392هـ/1972م وهو في عشرين جزءًا ، وكان اعتمادي عليه في هذا البحث .
والمادة اللغوية في الكتاب المذكور - كما بيَّنت - غنية وغزيرة ، والمسائل التي تناولها ، والقضايا التي أثارها كثيرة يصعب على باحث واحد أن يحصرها ، أو يتناولها بالدراسة ، وأكتفي - هنا - بذكر أمثلة ثلاثة للدلالة على ذلك:
المثال الأول: روى البخاري عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - ؛ أن جَدَّتَهُ مُلَيْكَةَ دَعَتْ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لطعام صَنعتْهُ له ، فأكل منه ، ثم قال: قُومُوا فلأصليَ لكم ، قال أنسٌ: فقُمْتُ إلى حصير لنا قد اسودَّ من طولِ ما لُبِسَ فَنَضَحْتُهُ بماءٍ ، فقامَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَصَفَفْتُ واليَتِيمَ وراءَهُ ، والعَجُوزُ مِنْ ورائنا [2] . قال العيني: (( قوله فَلأُصليَ لكم ) )، فيه ستة أوجه من الإعراب:
الوجه الأول: ( فَلأُِصليَ ) بكسر اللام ، وضم الهمزة ، وفتح الياء ، ووجهه أن اللام فيه لام ( كي ) والفعل بعدها منصوب بأن المقدرة ، تقديره ( فلأن أُصليَ ) .
الوجه الثاني: ( فَلأُِصلِّيْ ) مثلها إلا أنها ساكنة الياء ، ووجهه أن تسكين الياء المفتوحة للتخفيف وفي مثل هذا لغة مشهورة .
الوجه الثالث: ( فَلأُِصَلِّ ) بحذف الياء ، لكون اللام لام الأمر ، وهي رواية الأصيلي .
الوجه الرابع: ( فأصلي ) على صِيغةِ الإخبار - عن نفسه - وهو خبر مبتدأ محذوف ، تقديره ( فأنا أصلي ) ، والجملة جواب الأمر .
(1) عمدة القاري: 20/402 .
(2) عمدة القاري: 3/355 .