فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 70

والثاني: أنه يشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص، وهذا قولُ كثيرٍ من العلماء وأهل الحديث.

والثالث: أنه يشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون، كما في الصحيحين: «أنه مر بجنازة، فأثنوا عليها بخير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «وجبت» ، ومر بأخرى، فأثني عليها بشر، فقال: «وجبت» . وفي رواية: كرر: «وجبت» ثلاث مرات، فقال عمر: ... يا رسول الله، ما وجبت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة، وهذا أثنيتم عليه شرا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض» . وقال: «توشكون أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار» ، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: «بالثناء الحسن والثناء السيئ» . فأخبر أن ذلك مما يعلم به أهل الجنة وأهل النار ( [38] ) .أه.

والأظهر هو القول الثاني وهو قول الجمهور؛ لأن الشهادة بالاستفاضة قاصرة، ولكن يكون الرجاء فيه أعظم، ولهذا جاء في الحديث الأول قال «وجبت» ، فدل على أن شهادتهم له في مقام الشفاعة له؛ لأنه قال: «أثنيتم عليها خيرا فوجبت» فدل على أن الوجوب له بالجنة مترتب على الثناء عليه بالخير، وليس الثناء عليه بالخير نتيجة وإنما هو سبب لوجوب الجنة، فكأنه في مقام الشفاعة له والدعاء له، وليس هذا مطلقا. والحديث الثاني أيضا يحمل على هذا أيضًا، وهو أنه في مقام الشفاعة والدعاء له، بالإضافة إلى أن القول الثاني هو قول الأكثر من أئمة أهل الإسلام ( [39] ) . فالصواب أنه لا يشهد إلا لمن شهدت له النصوص، وأن هذا خاص بالصحابة، الذين زكاهم ... النبي صلى الله عليه وسلم.

وللإمام أبي محمد بن حزم تفصيلٌ آخر إذ يقول: فلهذا وجب أن لا نقطع على أحد بعينه بجنة ولا نار حاشا من جاء النص فيه من الصحابة ش بأنهم في الجنة وبأن الله علم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأهل بدر وأهل السوابق فإنا نقطع على هؤلاء بالجنة لأن الله تعالى أخبرنا بذلك على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم حاشا من مات معلنا للكفر فإنا نقطع عليه بالنار ونقف فيمن عدا هؤلاء إلا أننا نقطع على الصفات فنقول من مات معلنا الكفر أو مبطنا له فهو في النار خالدًا فيها، ومن لقي الله تعالى راجح الحسنات على السيئات والكبائر أو متساويهما فهو في الجنة لا يُعذب بالنار ومن لقي الله تعالى راجح الكبائر على الحسنات ففي النار ويخرج منها بالشفاعة إلى الجنة ( [40] ) .

وقد ثبت أيضا أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إني لأرجو ألا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» ( [41] ) ، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، وفي هذا شهادة من النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يدخل أحد منهم النار، كما أنهم من أهل الجنة؛ لأن من لم يدخل النار دخل الجنة ولابد. وكذلك أهل بدر الذين عددهم ثلاثمائة وبضعة عشر، فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) ( [42] ) ، فمثل هؤلاء إذا كان الله قد غفر لهم فإن ذلك دليل على أنهم من أهل الجنة. وبقية الصحابة ش يُرجى لهم الخير، ولسبقهم ولأعمالهم الصالحة قد أنزل الله فيهم آيات تدل على سبقهم وعلى فضلهم، قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ) ( [43] ) هؤلاء المهاجرون الذين هاجروا من مكة إلى المدينة، والأنصار الذين أسلموا بالمدينة

(وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ) ( [44] ) يعني: الذين أسلموا متأخرين من الصحابة، يقول تعالى:

(رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) ( [45] )

فهذه تزكية من الله تعالى لهم، وشهادة لهم بأنه أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، فهذا أيضا دليل على أن المهاجرين والأنصار والذين أسلموا بعدهم ونصروهم يُرجى لهم الخير ( [46] ) . أه

قلت: وما قرره الإمام ابن حزم، ومن وافقه متجه، ولكنها تبقى بشارة إجمالية، ومقصود البحث ما جاء التنصيص من المعصوم على اسمه، وأنه من أهل الجنة ( [47] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت