قدمت بعض جيوش الروم المنهزمة أمام المسلمين في معركة من المعارك على ملكهم وعظيمهم هرقل وهو في مدينة أنطاكية، فدعا رجالًا من عظمائهم، وقال لهم: ويحكم أخبروني!! ما هؤلاء الذين تقاتلونهم - يعني المسلمين - أليسوا بشرًا مثلكم؟ قالوا: بلى!!
قال: فأنتم أكثر عددًا أم هم؟ قالوا: بل نحن أكثر منهم أضعافًا في كل موطن! فقال: ويلكم! فما بالكم تنهزمون كلما لقيتوهم؟ فسكتوا ولم ينطقوا، فقال شيخ كبير منهم: أنا أخبرك أيها الملك من أين يأتون! ولماذا ينهزمون!!
إنا إذا حملنا على المسلمين صبروا، وإذا حملوا علينا صدقوا، ونحمل عليهم فنكذب، ويحملون علينا فلا نصبر!! فقال هرقل: ولماذا هم كذلك، وأنتم بخلاف ذلك؟
فقال الرجل الكبير: لأن القوم يصومون بالنهار، ويصلون بالليل، ويوفون بالعهد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ولا يظلمون أحدًا، ويتناصفون فيما بينهم، ونحن نشرب الخمر، ونزني، ونرتكب الحرام، وننقض العهد، ونغضب، ونظلم، ونأمر بما يسخط الله تعالى، وننهى عما يرضي الله، ونفسد في الأرض!!
فقال هرقل حينها: والله لقد صدقتني القول!! والله لأخرجن من هذه القرية فما لي في صحبتكم خير وأنتم هكذا [1] !!.
كتب عبد الله بن المبارك إلى الفضيل بن عياض رحمهما الله حاثًا على الجهاد في سبيل الله:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك بالعبادة تلعبُ
من كان يخضب خده بدموعه ... فنحورنا بدمائنا تتخضبُ
أو كان يتعب خيله في باطل ... فخيولنا يوم الصبيحة تتعبُ
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ... وهج السنابك والغبار الأطيبُ
ولقد أتانا من مقال نبينا ... قول صحيح صادق لا يكذبُ
لا يستوي غبار خيل الله في ... أنف امرئ ودخان نار تلهبُ
هذا كتاب الله ينطق بيننا ... ليس الشهيد بميت لا يكذبُ [2]
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى:
(1) كتاب: عيون الأخبار - لابن قتيبة -.
(2) كتاب سير أعلام النبلاء - للذهبي وكتاب طبقات الشافعية - للسبكي.