وهي تطورية لا تبقى على حالها بل تتغير وتتطور، ولكن هذا التطور والتغير لا يتم في جوهر الثقافة بل في الممارسة والتطبيق، ويكون ذلك نتيجة لحاجات الإنسان الجديد الذي يعيش في المجتمعات الحديثة. وهي تكاملية بمعنى أنها تشبع حاجات الإنسان وتريح نفسه، لأنها تقدم له حلولًا وتصورات جاهزة تجمع بين كل المسائل والجوانب الدينية والسياسية والاجتماعية و"البيولوجية". وهي استمرارية لأنها تنبع من وجود الجماعة ورضاهم عنها وتمسكهم بها ونقلها إلى الأجيال اللاحقة، فهي بذلك تراث جماعي ووعي مشترك يرثه جميع أفراد المجتمع، ويساهمون في نقله إلى الأجيال التالية. وعلى ذلك فإنه لا يمكن القضاء على ثقافة مجتمع ما إلا بالقضاء على كل أفراده، أو تذويبهم في جماعة أكبر منهم وأقوى. وهي انتقالية لأنها تنتقل من جيل إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر، فهي قابلة للتأثر والتأثير والانتشار بين الأمم الأخرى وخاصة عند توفر وسائل الاتصال الملائمة.
ولعل السمة الأخيرة التنبؤية هي أهم سمات الثقافة عمومًا، فبما أن الثقافة تحدد أسلوب الأفراد وسلوكهم في المجتمع فإنه بالإمكان التنبؤ بما يمكن أن يتصرف به فرد ما ينتمي إلى ثقافة معينة، لأن ثقافته تحتّم عليه أسلوبًا معينًا تجاه كل مشكلة من المشاكل التي تقابله في حياته اليومية، وهي بالتالي كما يقول إبراهيم ناصر"تحدد التصرف الفردي والجماعي في إطار ثقافي محدد، وبخطة مرسومة أو خارطة يحملها الفرد معه، وبها يحدد مسيرته في الحياة العامة" [1] .
الفرد جزء من المجتمع إذن، وثقافته هي من ثقافة هذا المجتمع، وهويته إنما تحددها ثقافته، وإذن هناك علاقة جدلية بين ثقافة الفرد وثقافة المجتمع، كما أن علاقة جدلية أخرى موجودة بين هوية الفرد وهوية المجتمع، فما يقوم به الفرد يحدده المجتمع ويجب أن يرضى عنه وكل سلوك يخرج عن ثقافة المجتمع يرفضه المجتمع ويدينه ويقصي صاحبه عنه ويرفضه.
(1) المصدر السابق، ص/101-105.