الصفحة 7 من 14

قال ابن عبدالبر: كلُّ من قال من أهل السنة: الإيمان قول وعمل يُنكرون قوله ويُبَدِّعُونه (15) .

ولاشك أن هذا القول خِلاف مذهب السلف الصالح، لكنه إرجاء مقيد، لا يصل إلى الإرجاء الخالص المطلق الذي يزعم أصحابه أنه:

لا يضر مع الإيمان معصية.

كما لا ينفع مع الكفر طاعة.

فبرغم موافقته لهؤلاء في عدم إدخال الأعمال في مسمى الإيمان لكنه يختلف معهم اختلافًا جذريًا.

فهم يرون: أنه لا تضر مع الإيمان معصية.

وهو يرى: أن مرتكب الذنب مستحق للعقاب، وأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.

قال أبو حنيفة في رده هذا المذهب الخطير: ولا نقول: إن المؤمن لا تضره الذنوب، ولا نقول: إنه لايدخل النار... ولا نقول: إن حسناتنا مقبولة، وسيئاتنا مغفورة، كقول المرجئة (16) .

قال الدكتور أحمد عطية الغامدي: وأبو حنيفة وإن خالف السلف بتأخيره العمل عن ركنية الإيمان، فإنه لم يدع برأيه هذا أرباب الشهوات لإشباع شهواتهم، وتحقيق رغباتهم باللعب بالمحظورات، وانتهاك أستار الشريعة الإسلامية الغراء، كما فعل المرجئة الذين رفعوا اللَّوم عن العصاة، وفتحوا لهم الطريق إلى هتك محارم الله، دون خشية من عقاب الله تعالى، وهو: أن الإنسان في حِلٍّ ممّا يفعل، فلا تثريب عليه أبدًا إذا هو اتصف بالإيمان! الذي هو عبارة عن التصديق عندهم فحسب، وأبو حنيفة حاشاه أن يقول بهذا القول، أو يقف هذا الموقف، فلا يجوز لنا أن نصفه بالإرجاء المطلق (17) .

ومع هذا فإن أبا حنيفة لم يختص بهذا المذهب وحده، بل إنه مذهب لبعض أهل العلم ممن اشتغلوا بعلم الحديث وروايته، بل إن منهم من روى له الشيخان في صحيحهما.

قال محمد بن المرتضى اليماني المشهور بابن الوزير:

وفي كتب الرجال نُسب الإرجاء إلى جماعة من رجال البخاري ومسلم وغيرهما من الثقات الرفعاء، منهم: ذر ابن عبدالله الهمداني أبو عمر التابعي، حديثه في كتب الجماعة كلهم، وقال أحمد: هو أول من تكلم بالإرجاء (18) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت