تمهيد
موقع الإكراه من علم أصول الفقه
إن من أركان الحكم الشرعي «المحكوم عليه» ، والمقصود بـ «المحكوم عليه» :"المكلف", وهو الذي تعلق الخطاب بفعله، فيحكم على أفعاله بقبولها أو ردها، وهذه الأفعال إمَّا أن تدخل في دائرة المأمور به أو المنهي عنه أو لا تدخل [1] , وثمة اتفاق بين العلماء أن من وجد عاقلًا بالغًا مسلمًا مختارًا تعلق به خطاب الشارع, وكان مكلفًا، وتعلق بفعله الأحكام الشرعية سواء ما تعلق منها بحقوق الله أو ما تعلق بحقوق العباد, ولكن بعد اتفاقهم هذا اختلفوا فيمن اختل فيه وصف من هذه الأوصاف, ومن ثم كان البحث في الأهلية, وعوارضها.
و «الأهلية» في اصطلاح الأصوليين:"صلاحية الشخص لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه، واعتبار فعله شرعًا" [2] .
ويقصد الأصوليون بـ «عوارض الأهلية» :"الأمور التي تطرأ على أهلية المكلف بالإزالة، أو بالنقص أو بالتغيير".
وهذه العوارض قد تكون سماوية, أي: ثابتة من قبل الشارع, وليس للعبد فيها اختيار, ولهذا نسبت إلى السماء، ومن ذلك: الصغر, والجنون, والعته, والنسيان.
وقد تكون العوارض مكتسبة, وهي: ما كان للعبد فيها اختيار باكتسابها بمباشرة أسبابها كالسكر أو بالتقاعد عن المزيل كالجهل.
و «العوارض المكتسبة» قد تكون من المرء على نفسه، أي: من جهته، كالجهل, والسكر, والسفه, وقد تكون من الغير, أي: من جهة الغير عليه, فلا دخل له في حصول هذا العارض, ولا إرادة له في وقوعه [3] , ويتمثل هذا النوع في عارض واحد فقط, وهو «الإكراه» .
(1) «التلويح» للتفتازاني: جـ2, ص:56.
(2) «التلويح» : جـ2, ص:61.
(3) «التلويح» : جـ2, ص:167 - 180. و «التقرير والتحبير» لابن أمير حاج: جـ2, ص:172 - 192. و «كشف الأسرار للبخاري على أصول البزدوي» : جـ4, ص:263 - 330. طبعة بيروت 1394هـ-1974م. و «حاشية نسمات الأسحار» لابن عابدين: ص: 178.