ومن خلال العرض الموجز في هذه المقدمة نكون قد أدركنا صورتين من صور انتقال المواد الضارة المؤذية من وإلى جسم الإنسان؛ أما الصورة الثالثة المتمثلة في خروج وانتقال هذه المواد من داخل الجسم لتستقر على سطحه الخارجي هي صورة ربما لا يعرف أسرارها الخفية كثير منَّا، وهي تمثل صورة من صور الاتزان البدني التي أودعها الله سبحانه وتعالى في أجسامنا. ومثلها كمثل البول والغائط، إذ هما من نواتج آليات وعمليات الموازنة والتنقية الذاتية التي تتم في الجسم على مدار اليوم كله ليلًا ونهارًا، فالجهاز الهضمي والجهاز البولي يعملان على إخراج معظم المواد الكيميائية والسموم التي تدخل في الجسم عن طريق الطعام والشراب.
ويشارك الجهاز الهضمي والجهاز البولي خروج السموم من أجسامنا أجهزة أخرى محددة قد أوجدها الله سبحانه وتعالى في أجسامنا لتقوم هي الأخرى بوظيفة الموازنة والتنقية الذاتية، ولتساعد الجسم في إخراج بعض السموم التي تدخل فيه، وإخراج بعض النواتج الكيميائية الضارة التي تتولد في الجسم نتيجة الانفعالات والإثارات المختلفة، غير أن أسلوب وطريقة الإخراج التي تحدث بهذه الأجهزة تختلف عن ما يحدث في حالة إخراج البول والغائط، فالمواد الضارة المؤذية التي تكون في البول والغائط تذهب تمامًا عن الجسم، بينما تبقى المواد الضارة التي تُجنَّبُ من الجسم عبر هذه الأجهزة على بشرة الإنسان لتسبب مشكلات صحية لو لم تزح عنه.
نجد أن حقيقة تجنيب الجسم المواد المؤذية الضارة خاصة بعد المواقعة الجنسية ــ التي لم يعرفها الإنسان إلا في هذا العصرـ قد دلت على مضمونها بدقة عجيبة مذهلة الأحاديث النبوية الشريفة، ويتجلى هذا المضمون بوضوح في اختيار لفظة الجنابة التي عرَّفنا بها نبي الهدى - صلى الله عليه وسلم - .