1-كثرة الأسانيد. فطرق الأحاديث تبلغ مئات الألوف إن لم يكن أكثر، ولو اعتبرنا عملية حسابية في الإسناد مبنية على التضاعف العددي للرواة لمدة ثلاثة أجيال رووا حديثا واحدا لعلمنا ضخامة العدد. وهذه الكثرة قرينة قوية على استحالة الاختلاق إذ يبعد أن يكون الانتحال صفة مشتركة بين آلاف الرواة في كل جيل ثم لا يأتي ما يفيد هذا التواطؤ الواضح.
2-تشابه الكثير من المتون مع أن أسانيدها مختلفة ورواتها متباعدون إقليميا. فتجد الكثير من الأحاديث التي تشترك في لفظ واحد مع أن مخارجها عن صحابة مختلفين متفرقين في الأمصار والذين رووا عنهم أيضا من أماكن متفرقة بعيدة عن بعضها، والقول بالاختلاق يعني ضرورة عقد مؤتمر دائم يضم الرواة من الشام ومصر والعراق والحجاز وخراسان وغيرها، وهذا مع أنه لم ينقل حدوثه فهو مستحيل يعرفه كل من طالع التاريخ الإسلامي.
3-أخلاقيات الرواة التي اشتهرت وذاعت، ومآثرهم الذي لم يجحدها جاحد، تمنع من اتهامهم باختلاق الأحاديث، والمستشرقون يعلمون أن الرواية العربية تحفظ المثالب كما تحفظ المناقب، وإذا كانت فرية افتراءها أعرابي على حضري أو سرقة ارتكبها شاعر في قصيدة عن غير قصد، تنقل بين الرواة حتى تبلغ الآفاق، أفلا يكون اختلاق آلاف الأسانيد حدثا جديرا بنقله عن أولئك الرواة المختلقين.
4-روح ونظام الإسناد، وأخلاقية منهج الرواية والنقد عند المحدثين - والتي سيأتي بيانها - تحيل حدوث اختلاق مقصود ثم تداوله على أنه صحيح معتمد.
النظرية الثانية:تطور الإسناد
تعني هذه النظرية أن آلية الإسناد أو نظامه لم يأخذ الهيئة الكاملة ولم يعتمد بصورته التامة إلا عبر مراحل زمنية متعاقبة.