هناك تلازمًا بين القوة والعلم، فإنهم -أي: الأوروبيين- عند طلبهم للقوة"هرعوا إلى تدريس العلوم الرياضية والطبيعية، أدتهم إلى الاختراعات الوقتية والمستنبطات الصناعية. حتى قال بعض علمائهم: الجاهل الآن كالأعزل في القرون الماضية. فمن كان الآن أكثر علمًا، كان أشد قوة" [1] ، ومثل هذه النبرة تفيد أن هناك تحولًا في مفهوم العلم [2] أو توسيعًا لدائرته ليشمل العلوم الإنسانية التي تساعد الناس في دنياهم من طب وصناعة وإدارة وغيرها, ولاسيّما"العلوم الرياضية والطبيعية". كانت أخبار هذه العلوم الجديدة وثمارها الدنيوية تصلهم عن طريق الأجانب الذين يصلون للمغرب أو عبر الأقليات الدينية التي تجد رعاية خاصة من الأوروبيين من اليهود والنصارى، وأهم من ذلك عن طريق الرحلات الاستكشافية من بعض المغاربة لبلاد أوروبا، ومنها مثلًا رحلة ابن الصفار الدبلوماسية لبلاد فرنسا سنة (1845 م) ؛ أي: بعد عشر سنوات تقريبًا من صدور كتاب الطهطاوي:"تخليص الإبريز" [3] ، وقد وصف ابن الصفار المجتمع العلمي والثقافي في فرنسا ولكنه ليس كوصف الطهطاوي؛ لأن الطهطاوي كان أطول مكوثًا وأكثر اطلاعًا، ومع ذلك فقد كشف ابن الصفار وغيره من أهل الرحلات حال التعليم والعلوم والمدارس والكليات والمعاهد والمختبرات [4] .
عندما شعر أهل المغرب بحاجتهم لعلوم أخرى تساعدهم في التقدم الدنيوي وتعطيهم قوة يواجهوا بها أعداءهم شرعوا في العمل على تحصيلها وتعليمها، وكان ذلك واضحًا مع"محمد الرابع ابن عبد الرحمن"(1859 -
(1) انظر: المرجع السابق ص 75، وصاحب النص -كما في المرجع- هو أبو عبد الله (الأعرج) محمد بن محمد السليماني مؤرخ مغربي (1280 - 1344 هـ) (1863 - 1925 م) ، وانظر: الأعلام، الزركلي 7/ 79.
(2) انظر: المرجع السابق ص 76.
(3) وصل الطهطاوي فرنسا سنة (1241 هـ- 1826 م) ، وأخرج كتابه بعد انتهاء البعثة، ط 1، سنة (1250 هـ - 1834 م) ، انظر: مقدمة التحقيق لكتابه: تخليص الإبريز في تلخيص باريز.
(4) انظر: الخطاب الإصلاحي في المغرب. . . . ص 91 - 93، وحول الرحلة ص 80 وما بعدها.