فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 66

الاستدلال بـ «نفي القبول» على «نفي الصحة» حينئذ. ويحتاج في تلك الأحاديث التي نفي عنها «القبول» مع بقاء «الصحة» إلى تأويل، أو تخريج جواب.

وكأن هذا الذي عرضه ليس شافيًا في نظره؛ لأنه لا يسلم من الإيراد حيث يشكل عليه، إن الإتيان بالمأمور به على صورة تسقط الطلب مظنة الثواب، ولم يورد على هذا الإشكال جواب، فقال:"على أنه يرد على من فسر" «القبول» بكون العبادة مثابًا عليها، أو مرضية، أو أشبه ذلك إذا كان مقصوده بذلك: أن لا يلزم من «نفي القبول» «نفي الصحة» أن يقال: القواعد الشرعية تقتضي: أن العبادة إذا أتي بها مطابقة للأمر كانت سببًا للثواب, والدرجات, والإجزاء, والظواهر في ذلك لا تنحصر [1] .

وعند ولي الدين العراقي حل لهذا الإشكال؛ حيث قال:"ظهر لي في الأحاديث التي نفي فيها القبول, ولم تنتف معه الصحة- كـ «صلاة شارب الخمر» , ونحوه - أن ننظر فيما نفي، فإن قارنت ذلك الفعل معصية، كـ «حديث شارب الخمر» , ونحوه؛ انتفى القبول, أي: الثواب؛ لأن إثم المعصية أحبطه, وإن لم تقارنه معصية كحديث: «لا صلاة إلا بطهور» , ونحوه، فـ «انتفاء القبول» سببه «انتفاء الشرط» ، وهو: الطهارة, ونحوها، ويلزم من عدم الشرط عدم المشروط [2] ."

الفرع الثالث: الفرق بين «الإجزاء» و «النفوذ»

«النفوذ» لغة: وهو مصدر «نفذ السهم نفوذًا من باب: «قعد» , ونفاذًا»: خرق الرمية, وخرج منها, ويتعدى بالهمزة والتضعيف, و «نفذ الأمر, والقول نفوذًا ونفاذًا» : مضى, و «أمره نافذ» , أي: مطاع، و «نفذ العتق» كأنه مستعار من نفوذ السهم, فإنه لا مرد له، و «نفذ المنزل إلى الطريق» : اتصل به [3] .

واصطلاحًا فسره العلماء بتفسيرين:

الأول: إنه التصرف الذي لا يقدر فاعله على رفعه، كالعقود اللازمة مع البيع, والإجارة, والوقف, والنكاح, ونحوها إذا اجتمعت شروطها, وانتفت موانعها، وكذلك العتق, والطلاق, والفسخ, ونحوها.

الثاني: إنه مرادف للصحة. قال ابن الفركاح:"نفوذ العقد أصله من نفوذ السهم، وهو: بلوغ المقصود من الرمي، وكذلك العقد إذا أفاد المقصود المطلوب منه، سمي بذلك نفوذًا، فإذا ترتب على العقد ما يقصد منه، مثل: «البيع» إذا أفاد الملك, ونحوه قيل له صحيح، ويعتد به".

(1) «إحكام الأحكام شرح عمدة الحكام» : (1/ 64,63) ط مطبعة السنة المحمدية.

(2) هذا ما نقله عنه ابن النجار الفتوحي في «شرح الكوكب المنير» : (146 - 148) ، وعبارته في «طرح التثريب» : الذي ينبغي أن يقال في اختلاف الأحاديث التي ذكرها, وكونها مستوية في نفي القبول, فانتفت الصحة معه في بعضها دون بعض: إنه لا يلزم من نفي القبول نفي الصحة لكنا ننظر في المواضع التي نفي فيها القبول, فإن كان ذلك العمل قد اقترنت به معصية علمنا أن عدم قبول ذلك العمل إنما هو لوجود تلك المعصية, فمن هذا الوجه كان ذلك العمل غير مرضي لكنه صحيح في نفسه؛ لاجتماع الشروط والأركان فيه، وهذا كـ «صلاة العبد الآبق» و «شارب الخمر» و «آتي العراف» , فهؤلاء إنما لم تقبل صلاتهم للمعصية التي ارتكبوها مع صحة صلاتهم، وإن لم يقترن بذلك العمل معصية, فعدم قبوله إنما هو لفقد شرط من شروطه, فهو حينئذ غير صحيح؛ لأن الشرط ما يلزم من عدمه العدم، وهذا كـ «صلاة المحدث» و «المرأة مكشوفة الرأس» , فإن «الحدث» و «كشف المرأة رأسها» حيث لا يراها الرجال الأجانب ليس معصية، فعدم قبول هذه العبادة إنما هو؛ لأن ضد الحدث الذي هو الطهارة شرط في صحة الصلاة، وكذلك ضد الكشف, وهو الستر شرط في صحة الصلاة, ففقدت الصحة لفقد شرطها, فاعتبر ما ذكرته تجد جميع الأحاديث ماشية عليه من غير خلل, ولا اضطراب, والله أعلم. (طرح التثريب: 2/ 214 - 215) .

(3) «مفردات ألفاظ القرآن» (ن ف ذ) : (552) ، و «المصباح المنير» (ن ف ذ) : (616) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت