مناقشات وردود:
ورد نفي «القبول» في الشرع تارة بمعنى: نفي الصحة، كما في حديث: «لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار» [1] , ونحو قوله تعالى: (( فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ ) ) [2] , وهذا يعكر على القول: بإن «القبول» أخص من «الصحة» ؛ لأن القاعدة: أنه لا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، وتارة بمعنى: نفي حصول الثواب مع وجود «الصحة» ، كما في الأحاديث السابقة في «الآبق» ، و «شارب الخمر» ، ومن «أتى عرافًا» , وقد حكى القولين في «الواضح» , ورجح أن «الصحيح» لا يكون إلا «مقبولًا» ، ولا يكون مردودًا، إلا وهو باطل [3] .
قال ابن دقيق العيد [4] في حديث: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» [5] المقصود بهذا الحديث: الاستدلال على اشتراط الطهارة من الحدث في صحة الصلاة, ولا يتم ذلك إلا بأن يكون انتفاء القبول دليلًا على انتفاء الصحة, وقد حرر المتأخرون في هذا بحثًا؛ لأن انتفاء القبول قد ورد في مواضع مع ثبوت الصحة، كـ «العبد إذا أبق لا تقبل له صلاة» ، وكما ورد فيمن «أتى عرافًا» , وفي «شارب الخمر» .
وقد التمس الإمام ابن دقيق حلًا لهذا الإشكال, وخروجًا منه عند وروده بتفسير «القبول» تفسيرًا يتسق مع الحكم المترتب في النص الوارد فيه «نفي القبول» مرادًا به: «نفي الصحة» ؛ لذا قال:"إذا أريد تقرير الدليل على انتفاء «الصحة» من انتفاء «القبول» , فلابد من تفسير معنى «القبول» ، وقد فسر بأنه: ترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء, يقال: «قبل فلان عذر فلان» : إذا رتب على عذره الغرض المطلوب منه, وهو محو الجناية والذنب، فإذا ثبت ذلك, فيقال: مثلًا في هذا المكان: «الغرض المطلوب من الصلاة» : وقوعها مجزئة بمطابقتها للأمر, فإذا حصل هذا الغرض ثبت «القبول» على ما ذكر من التفسير, وإذا ثبت «القبول» على هذا التفسير ثبتت «الصحة» , وإذا انتفى «القبول» على هذا التفسير انتفت «الصحة» , وربما قيل من جهة بعض المتأخرين: إن «القبول» كون العبادة بحيث يترتب الثواب والدرجات عليها, و «الإجزاء» كونها مطابقة للأمر, والمعنيات إذا تغايرا، وكان أحدهما أخص من الآخر لم يلزم من نفي الأخص نفي الأعم".
و «القبول» على هذا التفسير: أخص من «الصحة» ، فإن كل مقبول صحيح، وليس كل صحيح مقبولًا, وهذا إن نفع في تلك الأحاديث التي نفي عنها «القبول» مع بقاء «الصحة» , فإنه يضر في الاستدلال بـ «نفي القبول» على «نفي الصحة» ، كما حكينا عن الأقدمين اللهم إلا أن يقال: دلَّ الدليل على كون «القبول» من لوازم «الصحة» , فإذا انتفى انتفت، فيصح
(1) أخرجه الترمذي في"ك: الصلاة"."ب: لا تقبل صلاة المرأة إلا بخمار" (377) . وأبو داود في"ك: الصلاة"."ب: المرأة تصلي بغير خمار" (641) ، وابن ماجه في"ك: الطهارة"."باب: إذا حاضت الجارية لم تصل إلا بخمار" (655) , والإمام أحمد في «المسند» عن عائشة (24641) .
(2) سورة آل عمران (الآية: 91) .
(3) «شرح الكوكب المنير» : ( ... /146) بتصرف.
(4) ابن دقيق العيد هو: تقي الدين محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري القوصي المصري، ولد سنة 625هـ، له: «شرح مختصر ابن الحاجب في الأصول» ، و «إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام» ، و «الاقتراح في معرفة الاصطلاح» ، و «شرح العنوان في أصول الفقه» ، قال عنه الزركشي: وإليه منتهى التحقيق في هذا الفن، توفي سنة 702هـ. (انظر: «شذرات الذهب» :(6/ 5) ، و «طبقات الشافعية» لابن السبكي: (6/ 41) ، و «الطالع السعيد» : (ص: 333 ) ) .
(5) أخرجه البخاري في"ك: الحيل"."باب: في الصلاة" (6954) , وأبو داود في"ك: الطهارة"."باب: فرض الوضوء" (60) , والنسائي في"ك: الطهارة"."باب: فرض الوضوء" (139) , وابن ماجه في"ك: الطهارة وسننها"."باب: لا يقبل الله صلاة أحدكم" (271) .