يقال: «قبلت الشيء قبولًا» : إذا رضيته، وفي الحديث: «ثم يوضع له القبول في الأرض» [1] , وهو بفتح القاف: المحبة, والرضا بالشيء, وميل النفس إليه، و «تقبله النعيم» : بدا عليه, واستبان فيه قال الأخطل:
لدن تقبله النعيم كأنما ... مسحت ترائبه بماء مذهب [2] .
أما «القبول» اصطلاحًا: فعرفه المناوي بأنه: ترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء [3] .
وقال ابن حجر في «الفتح» : وحقيقة القبول ثمرة وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذِّمة [4] .
وقال ابن النجار: «القبول» مثل «الصحة» ، فلا يفارقها في إثبات, ولا نفي, فإذا وجد أحدهما وجد الآخر، وإذا انتفى أحدهما انتفى الآخر, وهذا المقدم في «التحرير» , والذي رجحه ابن عقيل في «الواضح» [5] .
والقول الثاني: إن «القبول» أخص من «الصحة» ، إذ كل مقبول صحيح, ولا عكس.
واستدل لذلك بقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: «من أتى عرافًا, فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة» [6] , و: «إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة حتى يرجع إلى مواليه» [7] , و: «من شرب الخمر لم تقبل له صلاة أربعين صباحًا» [8] , ونحو ذلك.
وجه الدلالة: أن العلماء مجمعون على أن صلاة من ذكروا في هذه الأحاديث صحيحة، والجمع بين الإجماع, ومثل هذه الأحاديث: أن يجعل النفي المسلط على القبول غير مسلط على الصحة، حتى لا يتعارض مع الإجماع المذكور، فيحمل نفي «القبول» على معنى, وهو: الذي يحصل به الثواب, و «الصحة» الثابتة بالإجماع على معنى, وهو: الكفاية في سقوط الطلب على معنى أعم من حصول الثواب فيه أو لا.
(1) أخرجه البخاري في ك: بدء الخلق، ب: ذكر الملائكة (3209) ، ومسلم في ك: البر والصلة، ب: إذا أحب الله عبدًا حببه إلى خلقه (2637) ، ومالك في «الموطأ» في ك: الجامع، ب: ما جاء في المتحابين في الله (1778) ، وأحمد في «مسنده» : في مسند أبي هريرة (7570) .
(2) «لسان العرب» : (ق ب ل) : (5/ 71) ، و «المصباح المنير» : (ق ب ل) : ( .... /448) .
(3) «التوقيف على مهمات التعاريف» : (ص: 572) .
(4) «فتح الباري» شرح حديث رقم (135) .
(5) هو الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي الظفري، شيخ الحنابلة المتكلم، صاحب التصانيف, ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، توفي سنة 513هـ. (سير أعلام النبلاء 19/ 443) .
(6) أخرجه مسلم في"ك: السلام"،"باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان": (2230) , والإمام أحمد في «مسنده» :"حديث بعض أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ": (16202) .
(7) أخرجه مسلم في ك: الإيمان ولفظه:"لم تقبل له صلاة", وأخرجه النسائي في"ك: تحريم الدم"،"باب: العبد يأبق" (4049) .
(8) أخرجه الترمذي في"ك: الأشربة"،"ب: شارب المر عن عبد الله بن عمر" (1862) , وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن, وقد روي نحو هذا عن عبد الله بن عمرو, وابن عباس عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ, وأخرجه ابن ماجه في"ك: الأشربة"،"باب: من شرب الخمر لم تقبل له صلاة" (3377) , وأحمد في «مسنده» "مسند عبد الله بن عمر" (4898) , وفي"مسند أبي ذر" (20991) .