وحكمه: أنه لا تترتب عليه الآثار، ولا يسقط القضاء في العبادات، فهو بذلك مرادف لـ «لبطلان» [1] ، وعرف الحنفية «الفاسد» بأنه: ما شرع بأصله دون وصفه، وعليه فيكون غير الباطل؛ إذ الباطل عنهم ما لم يشرع بأصله, ولا بوصفه.
قال السمرقندي [2] : «الفاسد» : هو ما كان مشروعًا في نفسه، فائت المعنى من وجه؛ لملازمة ما ليس بمشروع إياه بحكم الحال مع تصور الانفصال في الجملة، كـ «البيع عند أذان الجمعة» .
فـ «الباطل» و «الفاسد» عند الحنفية مفترقان فرق الأعم والأخص كـ «الحيوان» و «الإنسان» ؛ إذ كل باطل فاسد, وليس كل فاسد باطلًا, فقالوا: «الباطل» ما لا ينعقد بأصله كـ «بيع الحر» ، و «الفاسد» ما لا ينعقد دون أصله كـ «عقد الربا» , فإنه مشروع من حيث إنه بيع، وممنوع من حيث إنه عقد ربا, و «البيع الفاسد» عندهم يشارك «الصحيح» في إفادة الملك إذا اتصل بالقبض, فجعلوا «الفاسد» رتبة متوسطة بين «الصحيح» و «الباطل» .
قال التفتازاني: «الصحة» و «البطلان» و «الفساد» معان متقابلة حاصلها أن «الصحيح» : ما يكون مشروعًا بأصله ووصفه، و «الباطل» : ما لا يكون مشروعًا بأصله ولا بوصفه, و «الفاسد» : ما يكون مشروعًا بأصله دون وصفه، وهذا معنى قولهم: «الصحيح» ما استجمع أركانه, وشروطه بحيث يكون معتبرًا شرعًا في حق الحكم, و «الفاسد» ما كان مشروعًا في نفسه فائت المعنى من وجه؛ لملازمة ما ليس بمشروع إياه بحكم الحال مع تصور الانفصال في الجملة, و «الباطل» ما كان فائت المعنى من كل وجه مع وجود الصورة إما لانعدام معنى التصرف: كبيع الميتة والدم، أو لانعدام أهلية المتصرف: كبيع الصبي والمجنون، وقد يطلق «الفاسد» على «الباطل» [3] .
فـ «الفاسد» و «الباطل» على رأي الجمهور متنافيان مع «الإجزاء» ، فكل فاسد أو باطل غير مجزئ.
أما عند الحنفية: فـ «الباطل» غير مجزئ، أما «الفاسد» , فيفيد «الإجزاء مع الإثم» ، فمن صام يوم العيد وفاء بنذر أو قضاء لفائت يجزئه ذلك مع الإثم؛ للإعراض عن ضيافة الله ـ تعالى ـ.
فـ «الإجزاء» يجامع «الفساد» عند الحنفية، دون «البطلان» ، فـ «الفاسد» قد يكون مجزئًا عندهم، لكن «الباطل» لا يكون مجزئًا بحال [4] .
الفرع الثاني: الفرق بين «الإجزاء» و «القبول»
«القبول» : مصدر من «قبل الشيء قبولًا - بالفتح والضم, الأخيرة عن ابن الأعرابي ـ, وتقبله كلاهما» : أخذه، وقال اللحياني: «قبلت الهدية أقبلها قَبولًا وقُبولًا» ، ويقال: «عليه قبول» : إذا كانت العين تقبله, وعلى «قبول» , أي: تقبله العين،
(1) «جمع الجوامع» (حاشية العطار) : (1/ 146 - 147) ، و «تشنيف المسامع» : (1/ 185 - 186) ، و «شرح مختصر الروضج» لنجم الدين الطوفي: (1/ 445) ، و «نشر البنود شرح مراقي السعود» : (1/ 33) .
(2) هو الإمام علاء الدين أبو بكر محمد بن أحمد السمرقندي، فقيه حنفي، أصولي, تتلمذ على أبي اليسر البزدوي، والمكحولي، وله «ميزان الأصول» ، و «اللباب في الأصول» ، و «تحفة الفقهاء في الفقه» . توفي سنة 549هـ. ( «الفوائد البهية» :(ص: 158) ، و «تاج التراجم» لابن قطلو بغا: (ص:60 ) ) .
(3) «ميزان الأصول» : (/39) ، و «شرح التلويح على التوضيح» لسعد الدين التفتازاني: (2/ 245) ، و «البحر المحيط» : (2/ 25) .
(4) «قواطع الأدلة في الأصول» : (1/ 24) ، «اللمع في أصول الفقه» : (ص: 6) .