بل لقد جعل الله السنن والأسباب والنواميس والقوانين، مطردة وموصلة إلى تحقيق المقاصد والنتائج، وطلب من العقل المسلم استيعاب هذه السنن والأسباب بعد أن شرعها له، وخاطبه بها، وجعل التعامل معها هو غاية التكليف، ودلل على فاعليتها بالعبرة التاريخية، والحجة المنطقية، والبرهان المحس، وناط النجاح في الدنيا والفوز بالآخرة بالقدرة على استيعاب هذه الأسباب، وحسن تسخيرها، والتعامل معها، وعدم الركون والاستسلام للقدر، بل مدافعة قدر بقدر أحب إلى الله، وبذلك يبرأ المسلم من علل التدين التي لحقت بالأمم السابقة .
لقد كان الإنسان أو العقل الإنساني في الأمم السابقة، محلا للصراع والتمزق بين الوحي والعقل، وبين القدر والحرية، وبين المعجزة ( السنة الخارقة ) ، وبين السبب ( السنة الجارية ) ، وغاب عنه الإدراك الكامل أن المعجزة ( السنة الخارقة ) هي من بعض الوجوه تأكيد على اطراد السنن الجارية، ذلك أن المعجزة وهي في أبسط تعريفاتها الأمر الخارق للعادة، للقانون، للسنن الجارية، تؤكد أن الله الذي خلق السنن والأسباب هو وحده -وليس الإنسان- القادر على خرقها، وتحقيق النتائج بدون حصول مقدماتها، وأن الله هو الذي أراد جعل الأسباب والقوانين وسائل موصلة إلى تحقيق نتائجها، وتعبد الإنسان بكيفية التعامل معها في ضوء منهج الله، ورتب على حسن هذا التعامل الثواب والعقاب .