إن حل هذه المعادلة التي كادت تبدو مستعصية في أهل التدين السابق عن الإسلام ، والتي كانت وراء الكثير من التصدعات والنزاعات ، هي التي جعلت القرآن مهيمنا على الكتب السابقة، وجعلت الرسالة الإسلامية جماع الرسالات السماوية، فكان الرسول هو الشاهد على الناس، وكانت الأمة المسلمة بما تحمل من قيم معيارية ومنجزات حضارية، شاهدة على مسيرة الأمم والحضارات، قال تعالى: ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) ( البقرة: 143 ) .
وبعد: فهذا كتاب الأمة الخامس والستون: ( الاجتهاد المقاصدي .. حجيته ، ضوابطه ، مجالاته ) للدكتور نور الدين بن مختار الخادمي، في سلسلة ( كتاب الأمة ) ، التي يصدرها مركز البحوث والدراسات، بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر، مساهمة في إحياء وعي المسلم برسالته الإنسانية، ليمارس مهمته في إلحاق الرحمة بالعالمين، وإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وتحقيق النقلة الغائبة عن الحياة الثقافية والعقلية التي تعيشها الأمة المسلمة اليوم، والتحول من حالة النقل والتلقين والمحاكاة والتقليد الجماعي والتراجع الحضاري، إلى مرحلة ممارسة التفكير والاجتهاد والتجديد والتغيير وتشكيل العقل المقاصدي الهادف، الذي صنعه الإسلام في ضوء هدايات الوحي .
إن العقل الإسلامي الذي بناه الوحي، هو عقل غائي تعليلي تحليلي برهاني استقرائي استنتاجي قائس مقاصدي، يدرك أن الله لم يخلقنا عبثا، وأنه ما من شيء في الوجود من المخلوقات - فضلا عن أحكام الشريعة وتنظيم الحياة - إلا وله علة وسبب، تحكم مسيره سنة وقانون، ويسير إلى هدف وغاية فلا مكان في العقل المسلم للمصادفة والعشوائية والخوارقية في هذا الوجود الكوني، ولا مجال لانتفاء الأسباب .