البارحة، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود» [1] . وروي عنه أنه قال: لو علمت أنك تستمع إلي لحبرته لك تحبيرا [2] . والتحبير تحسين الصوت وتحزينه، وحيث أعجب النبي -صلى الله عليه وسلم- بصوت أبي موسى، وأقره على التحبير، فإن ذلك يدل على الاستحباب، لكن التكلف والتشدد في النطق بالحروف، والمبالغة في المد والشد، والإظهار والإفصاح الزائد عن القدرة المعتادة لا يجوز، فإن قراءة النبي -صلى الله عليه وسلم- ليس فيها تكلف، فقد قرأ سورة البقرة والنساء وآل عمران في ركعة، وقد ثبت عن عثمان -رضي الله عنه- أنه كان يختم القرآن في ركعة [3] .
ولو كانوا يتكلفون هذا التكلف المعهود في قراءة المعاصرين لما أمكنهم ذلك، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-:
«اقرءوا القرآن من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه» رواه أبو داود بمعناه [4] .
(1) صحيح مسلم، في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن رقم 793.
(2) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه، في كتاب فضائل القرآن 6/ 119، عن يزيد بن هارون، قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن أبا موسى، كان يقرأ ذات ليلة، ونساء النبي -صلى الله عليه وسلم- يستمعن فقيل له: فقال: لو علمت لحبرت تحبيرا، أو تشوقت تشويقا. وهذا إسناد صحيح، على شرط مسلم.
وأخرجه عبد الرزاق 2/ 485، وابن الجعد في مسنده 2/ 1187، والبيهقي في الصغرى 987، وفي الشعب 2/ 389.
وابن سعد في طبقاته 2/ 262 من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت عن أنس.
قال الحافظ ابن حجر في الفتح 8/ 710، بإسناد على شرط مسلم اهـ.
وهو كما قال: وأورد هذا الأثر ابن حجر في المطالب، وعزاه إلى أحمد بن منيع 3/ 287 وقال: صحيح.
(3) أخرجه عبد الرزاق في مصنفه 3/ 354، عن ابن سيرين، (وفي سنده رجل مجهول) ابن أبي شيبة في مصنفه 2/ 243، والبيهقي في الصلاة، باب الوتر بركعة واحدة 3/ 25.
وابن سعد في الطبقات 2/ 56، كلهم عن يزيد بن هارون، عن محمد بن عمرو عن محمد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن عثمان، قال: قمت خلف المقام وأنا أريد أن لا يغلبني عليه أحد تلك الليلة، فإذا رجل يغمزني فلم ألتفت، ثم غمزني فنظرت فإذا عثمان بن عفان فتنحيت فتقدم فقرأ القرآن في ركعة ثم انصرف.
وإسناده صحيح.
وأخرج ابن سعد 3/ 55، 56 عن يزيد بن هارون عن هشام عن محمد بن سيرين، أن عثمان كان يحيى الليل فيختم القرآن في ركعة.
وهذا إسناد صحيح إلى ابن سيرين، ووردت روايات أخرى أخرجها ابن سعد وغيره.
(4) أخرجه الإمام أحمد 3/ 357، والبيهقي في الشعب 2/ 538، وأبو يعلي الموصلي في مسنده 2/ 445، عن أسامة بن زيد الليثي، عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله، قال: دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- فإذا فيه قوم يقرءون القرآن، قال: اقرءوا القرآن وابتغوا به الله -عز وجل- من قبل أن يأتي قوم يقيمونه إقامة القدح، يتعجلونه ولا يتأجلونه وهذا لفظ أحمد.
وأسامة بن زيد الليثي مختلف في توثيقه، قال الإمام أحمد ليس بشيء، وقال ابن عبد الهادي وراجع عبد الله بن أحمد أباه فيه فقال: إذا تدبرت حديثه تعرف فيه النكرة.
وتركه يحيى القطان، قال ابن حجر: صدوق يهم.
وتابع أسامة بن زيد حميد الأعرج، كما أخرج ذلك أبو داود في سننه 830، والبيهقي في الشعب 2/ 538، وقد وقع تصحيف في المطبوع بتحقيق محمد السعيد بسيوني زغلول، حيث أثبت خالد عن عبد الله، عن حميد الأعرج، والصواب خالد بن عبد الله، عن حميد الأعرج!!
والفريابي في فضائل القرآن 174، والبغوي في شرح السنة 3/ 88 بنحوه. وحميد الأعرج ضعيف.
وأخرج الحديث عبد الرزاق 3/ 382، وابن أبي شيبة 6/ 125 كلاهما عن محمد بن المنكدر، مرسلا، وللحديث شاهد يتقوى به، من حديث سهل بن سعد الساعدي، فقد أخرج أبو داود 831 والطيالسي 1881 والبيهقي 2/ 540، وأبو عبيد في فضائل القرآن 28، عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة، عن وفاء الحضرمي، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوما ونحن نقترئ، فقال: الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأحمر وفيكم الأبيض، وفيكم الأسود، اقرءوه قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقوم السهم، يتعجل أجره ولا يتأجله. وهذا لفظ أبي داود.
وتابع ابن لهيعة، عمرو بن الحارث، كما أشار إلى ذلك البخاري في التاريخ الكبير 8/ 191 وتابعه -أيضا- موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن سهل.
عند الطبراني في الكبير 6/ 206 رقم 6021، 6022، والبيهقي في الشعب 2/ 539، وأبو عبيد في فضائل القرآن 28، والفريابي 245، 246 وابن المبارك في الزهد 280، وموسى بن عبيدة الربذي، قال عنه أحمد: لا يحل الرواية عنه، قال ابن معين: لا يُحتج بحديثه.
وفي الباب عن أنس -رضي الله عنه-، عند الإمام أحمد 3/ 146 - 155.
والفريابي 175: عن ابن لهيعة عن بكر بن سوادة، عن وفاء الخولاني عن أنس بن مالك، قال: بينما نحن نقرأ، فينا العربي والعجمي والأسود والأبيض، إذ خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أنتم في خير تقرءون كتاب الله، وفيكم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وسيأتي على الناس زمان، يثقفونه كما يثقفون القدح، يتعجلون أجورهم ولا يتأجلونها وهذا لفظ أحمد، والحديث بمجموعه يرتقي لمرتبة الحسن.
القِدح: بكسر القاف، السهم الذي يُرمى به، قبل أن يعمل له ريش ولا نصل. قال في عون المعبود 3/ 59: سيجيء أقوام يقيمونه: أي يصلحون ألفاظه وكلماته ويتكلفون في مراعاة مخارجه وصفاته. كما يقام القدح. أي يبالغون في عمل القراءة كمال المبالغة، لأجل الرياء والسمعة والمباهاة والشهرة!!
يتعجلونه: أي ثوابه في الدنيا، (ولا يتأجلونه) بطلب الأجر في العقبى، بل يؤثرون العاجلة على الآجلة، ويتأكَّلون ولا يتوكلون. اهـ.