سيعقبها سبع سنوات جدب، سيعقبها السنة الخامسة عشرة رخاء، هذا تأويل الرؤيا، لكن يوسف قدّم برنامج عمل، ولذلك الملك الحاكم لما رأى أمامه برنامج عمل جاهز أخذ به، {قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا} تزرعون سبع سنين متواليات، لأنها خصب، ومطر، إذن تعملون على هذا أولًا، تستثمرون الخصب للمستقبل، ثم نظام التخزين، {فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ} ، خزنوه بالسنابل لئلا يسرع إليه الفساد، إلا المقدار الذي تأكلونه وليكن قليلًا بغير إسراف، ليبقى لكم ما يقيتكم في السبع الشداد، {ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَاكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ} ، المجدبات متواليات أيضًا، تستهلك ما تم تجميعه في سني الخصب، يأكلن ما قدمتم لهن، فليس في تلك السبع المجدبات نبات، وبشرهم بأن السنة الخامسة عشرة ستكون سنة تغيير، {ثُمَّ يَاتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ} وغلّات البلاد وعصر الزيت ونحو ذلك.
كانت نتيجة التخطيط المتقن، خروج الناس من الأزمة سالمين، وفاضت خيرات مصر على بلاد الشام على ما جاورها، فلذلك جاء أولاد يعقوب وصار الناس يتسامعون بذلك، وصار النفع العظيم، بخطة يوسف المتقنة -عليه السلام- وهو المؤيد بالوحي من الله -عز وجل-.
الإتقان عند الأنبياء
قضية الإتقان عند الأنبياء واضحة جدًا، ولو أخذنا مثلًا حتى في مسألة الصناعة، ما علّمه الله لداود -عليه السلام-، فقد علّمه صنعة الحديد، {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ} سابغ لكل الجسم {لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَاسِكُمْ} لتحصنكم من بأسكم وتقيكم ضربات المقاتلين {فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} هذا الدروع تُلبس، {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ} أول من صنع الدروع وسردها والحلق، داود -عليه السلام-، أول من صنع الدروع والسرد فيها والحلوق فيها داود -عليه السلام-، وكانت من قبل صفائح، والدرع يجمع الخفة والحصانة، لتحرزهم من بأس العدو، وطعن السلاح، ومن فضل الله أنه ألان لداود الحديد، ليعملها سابغات، وعلّمه -عز وجل- وأمره أن يقدر في السرد، فيقدره حلقًا، ويدخل بعضها في بعض، وقال له: {أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} (11) سورة سبأ، تقي كل الجسد، ولا تضيق على لابسها، {وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ} فالمسمار بحسب الحلقة، فلا تجعل المسامير دقاقًا فتفلت، ولا غلاظًا فتكسر الحلق، قدّر في السرد، اجعله على قدر