فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 27

وإتقانه وأحكامه، وهذه الرحمة من الله، فإذا جاء وعد الله بخروج يأجوج ومأجوج في آخر الزمان نقبوه وخرجوا، هذا الإتقان في الصنعة بهذه الطريقة العظيمة يدل عليها ذلك البنيان.

قال ابن كثير: وأما السد فقد بناه ذو القرنين من الحديد والنحاس وساوى به الجبال الصم الشامخات الطوال، فلا يعرف على وجه الأرض بناء أجل منه ولا أنفع للخلق منه في أمر دنياهم. فلو قيل ما هو أنفع بنيان في العالم، فهو سد القرنين، لأنه لو لم يكن موجودًا لخرجوا على الناس وأفسدوا الدنيا، فلا الأهرامات، ولا تمثال الحرية، ولا برج إيفل، ولا البرجين التوأم، ولا الفنادق الشامخات، أكثر بنيان فيه فائدة للبشرية، ما هو سد العالي ولا السد الواطي، هو سد ذي القرنين.

وقد تعلمنا من سليمان عليه السلام إتقانًا عجيبًا في التصميم والبنيان، استعمال مواد غير معتادة، وربما لا يستطيع البشر أن يعلموا مثلها حتى الآن، فلما أرادت ملكة سبأ أن تأتي وهؤلاء أهل دنيا كفار، أراد أن يفاجئها بما يبهرها حتى تستلم، وتسلّم فتسلم، غير قضية العرش، صنع سليمان -عليه الصلاة والسلام- بالجن الذين سخرهم الله له والصّناع الحذاق الذين عنده قصرًا من الزجاج، -أنا لا أدري هل يوجد في العالم قصر من الزجاج؟ كله زجاج، قال تعالى {قيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ (هذا القصر كله أرضه وسقفه وجدرانه) مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} (النمل:44) .

قال ابن كثير رحمه الله: وذلك أن سليمان، عليه السلام أمر الشياطين فبنوا لها قصرًا عظيما من قوارير، أي: من زجاج، وأجرى تحته الماء، فالذي لا يعرف أمره يحسب أنه ماء، ولكن الزجاج يحول بين الماشي وبينه. (هذا من باب الإفحام في الدعوة، والإبهار للكفار حتى يستسلموا ويدخلوا في دين الواحد القهار) فلما شاهدت ما شاهدت علمت أن هذا نبي، تابت ورجعت إلى الله قائلة {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ} .

النبي -عليه الصلاة والسلام- في قضية البنيان اهتم بمسألة الإتقان في بناء المسجد النبوي كما جاء في حديث طلق بن علي رضي الله عنه: جِئْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ يَبْنُونَ الْمَسْجِدَ، فَكَأَنَّهُ لَمْ يُعْجِبْهُ عَمَلُهُمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُ عَمَلَهُمْ أَخَذْتُ أُحْذِقُ الْمِسْحَاةَ (أي: المجرفة من الحديد)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت