وأن هذا العمل له فوائدة جمَّة، ترتبط بقراءة القرآن من جهة، وبعلم الأصوات العربية الفصيحة من جهة أخرى، ومن ثَمَّ بدأتُ السير في هذا الطريق.
واعلم - أيَّدك الله بتوفيقه - أن صفة القراءة التي اصطلحوا على تسميتها بالتجويد، توقيفية، لا تترك للاجتهاد أو الرأي أو التشهي، كما هو حال أغلب الكتب الحديثة في التجويد، أو أغلب المذكرات التي غلب عليها الرأي أكثر من الرواية والاتباع، والناظر في واقع المصنفات الحديثة في التجويد يجد غالبها اختصرًا مخلاًّ، وأشبه ما تكون بـ (فهارس للتجويد) وليست كتبًا للتجويد.
وإني كلما اطلعت على شيء من هذه الفهارس التي تسمى (مختصرات التجويد) أو (مذكرات التجويد) التي تموج بها السوق المحلية اليوم - ازداد يقيني بأنه لا بدَّ من إحياء تراث الأمة المخطوط في التجويد، وإحياء منهج الراوية فيه، وخاصّة أن السّوق الرائجة في التجويد اليوم تموج بأفكار صوفية التجويد الحداثِيِّين، بسبب غياب كتب الرواية القديمة.
وعلى من أراد أن يقرأه ويرتقي إلى درجة البررة أخذه عن أهل الأسانيد المتصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم، والحذر من أخذه ممن شيخه المصحف أو الكاسيت. فقد قال أبو عمرو الداني في كتابه النادر الأرجوزة المنبِّهة، في فصل: (القول فيمن لا يؤخذ عنه العلم) :
وَالعِلْمَ لا تأْخُذْهُ عن صُحُفِيِّ ... ولا حُروفَ الذِّكرِ عنْ كُتُبِي
ولا عن المَجْهُولِ والكذَّابِ ... ولا عن البِدْعِيِّ والمُرْتاب
وارْفُضْ شيوخَ الجهل والغَباوَةْ ... لا تأخُذَنَّ عنهم التِّلاوَةْ